
تابعنا ما ورد في المقال المعنون “35 وظيفة عالقة تشعل البحر الأحمر “، وبعض الكتابات الأخرى’ وما تضمّنه من سردٍ انتقائيٍّ لوقائع ملف التوظيف بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بولاية البحر الأحمر، وهي وقائع تستوجب التوضيح حمايةً للحقيقة، وصوناً لمبدأ سيادة القانون، ومنعاً لتزييف الوعي العام:
بدايةً، لا خلاف حول أحقية مواطني ولاية البحر الأحمر، وكل مواطن سوداني في فرص العمل العادلة داخل مؤسسات الدولة، ولا جدال في ضرورة معالجة أي مظالم تاريخية أو اختلالات تنموية عبر القنوات القانونية والمؤسسية. غير أن الخلاف الجوهري يتمثل في الخلط المتعمد بين الحق المشروع، ووسيلة المطالبة به.
إن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس جهة تنفيذية خاضعة للقوانين واللوائح المنظمة للخدمة المدنية، وليست جهة قرار سياسي أو توظيفي مطلق، ولا تملك – قانوناً – تجاوز الإجراءات المعتمدة أو الاستجابة لضغوط تُمارس خارج إطار المؤسسية، مهما كانت مشروعية المطالب.
وبالرجوع إلى حيثيات الملف، فإن الكشف الأول الخاص بالوظائف العمالية – وبعد رفعه – قوبل بظهور مجموعات
أخرى داخل الولاية تطالب بذات الاستحقاق، ما استدعى تدخلاً مسؤولاً أفضى إلى توافق واضح يقضي بإعادة الترتيب على أساس توزيع عادل يشمل كل مكونات الولاية دون إقصاء، التزاماً بمبدأ العدالة الاجتماعية ومنعاً للاحتقان الأهلي. غير أن هذا المسار تعقّد لاحقاً بتلقي الهيئة سبع قوائم إضافية لمكونات أخرى بشرق السودان، تطالب بذات المعاملة، وهو ما جعل الاستجابة الشاملة أمراً مستحيلاً من الناحية القانونية والإدارية.
وفي هذا السياق، من الضروري وضع الأرقام كاملة أمام الرأي العام. إذ إن ولاية البحر الأحمر نالت بالفعل نصيبها من التعيينات الرسمية خلال عام 2021 م ، حيث تم تعيين (34) موظفاً تعييناً كاملاً عبر لجنة الاختيار للخدمة المدنية، غالبيتهم من أبناء الولاية، في حين لم تتجاوز جملة التعيينات في بقية الولايات (7) موظفين فقط في ذات الفترة، وهو واقع يُفنّد مزاعم الإقصاء الممنهج.
أما قائمة (35) وظيفة عمالية الجديدة ، فلم تأتِ استناداً إلى دراسة احتياج فني أو هيكلي للهيئة، بل برزت في سياق سياسي معلوم، استُخدم فيه ملف التوظيف كأداة لبناء ثقل سياسي محلي وعلى حساب مؤسسة قومية، الأمر الذي فاقم التعقيدات وفتح الباب أمام مطالبات متقاطعة، لا يمكن تلبيتها دون الإضرار بأسس الخدمة المدنية.
وأمام هذا التشابك، لم تتنصل إدارة الهيئة من مسؤولياتها، بل قامت برفع الملف إلى مجلس الوزراء لحسم الاشتباك ووضع معالجة كلية، غير أن اندلاع الحرب أوقف مسار الدولة بالكامل، وهو ظرف وطني شامل لا يجوز تحميل تبعاته لمؤسسة تنفيذية واحدة أو تصويره كمماطلة متعمدة.
أما ما جرى من إغلاق وتَتْريس لمقار الهيئة وتعطيل العاملين ومنعهم من أداء واجبهم، فهو فعل مرفوض جملةً وتفصيلاً، لا تسوّغه أي مطالب، ولا يمكن تبريره تحت لافتة الحقوق، لأنه يضر بالاقتصاد القومي وحركة الصادر والوارد، ويعطّل مصالح المواطنين والتجار، ويقوّض هيبة الدولة ومبدأ سيادة القانون، ويفتح الباب أمام الفوضى وهدم مؤسسات الخدمة المدنية.
إن الدولة لا تُدار بالتتريس، ولا تُبنى الحقوق بإغلاق المرافق العامة، وأي محاولة لتبرير هذا السلوك تمثل انزلاقاً خطيراً من المطالبة المشروعة إلى تقويض الدولة نفسها. كما أن تسييس ملف التوظيف، وتدويره وفق المحاصصات ، أضر بالخدمة المدنية وحوّل مؤسسات فنية إلى ساحات استرضاء سياسي، وهو مسار لن يُنصف أحد ، بل سيُفرغ الدولة من مضمونها المؤسسي.
لقد ظلت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، منذ نشأتها، ملتزمة بالقوانين المنظمة للتوظيف وبمبدأ تكافؤ الفرص، ولم تكن يوماً أداة إقصاء أو تمييز، بل مؤسسة فنية قومية تخدم جميع ولايات السودان دون استثناء.
وعليه، فإن الطريق الصحيح لمعالجة هذا الملف يظل واضحاً: استكمال التوافق حول توزيع عادل للوظائف،
والالتزام بالقنوات القانونية والإدارية، ورفض استخدام الضغط غير المشروع وتعطيل المرافق، وتغليب صوت الحكمة على منطق الفوضى.
إنصاف أبناء السودان ككل واجب، نعم.
لكن هدم الدولة ليس طريقاً للإنصاف.
والفرق بين الحق والفوضى… هو احترام القانون.





