مقالات

غابة كدركة.. حين يصرخ الشجر…!!

رمضان محجوب يكتب | انواء

​لم يكن مقطع الفيديو الذي ضجت به الأسافير مؤخراً، والذي وثق “صرخة” غابة كدركة بالولاية الشمالية، مجرد توثيق لقطع جائر، بل كان مرآةً عكست لنا وجه الحقيقة القبيح الذي نحاول مواراته خلف “البيروقراطية” .

استوقفني ذلك المشهد الموجع حينها، وما تبعه من توضيح للأستاذ عثمان آدم بابكر، مدير غابات الولاية، ليضعنا جميعاً أمام معضلة إيكولوجية وأخلاقية تتجاوز حدود الغابة لتضرب في عمق أزمة “الضمير” و”الماء” في السودان.
بابكر تحدث بلغة الأرقام والوقائع، مشيراً إلى أن غابتي كدركة وبركة الملوك تعيشان في غيبوبة العطش منذ عام 2014، بعدما انقطعت عنهما أنفاس النيل الفيضية، ليتحول “الطلح” الأخضر إلى هياكل خشبية يائسة تنتظر سقوطاً محتوماً. وبحسب الرواية الرسمية، فإن ما نراه اليوم هو

عملية “جراحة تجميلية” لجمع الأشجار الساقطة عبر عطاءات قانونية، قطعاً للطريق أمام لصوص الليل، وتجنباً لحرائق قد تحول هذه المساحات إلى رماد تذروه الرياح.
​لكن وكما اعتدنا ، فإن الشياطين تكمن في التفاصيل؛ فمدير الغابات كشف ذات مرة بمرارة عن تعدي “ذوي النفوذ” من بعض أفراد القوات النظامية الذين استغلوا سطوتهم لتجاوز القانون، وهو أمر لم يعد سراً تخفيه التقارير، بل أكدته دراسات التقييم الاستراتيجي لبرنامج (REDD+)، حيث صُنفت هذه الفئات كأكبر مهدد للغابات في البلاد. إنها المفارقة الموجعة؛ أن يتحول من نأتمنه على حماية الأرض إلى “فأس” تقتلع جذورها.

​تاريخياً، كانت هذه الغابات هي الرئة النيلية التي تمنح المنطقة أنفاس البقاء، لكنها اليوم تذبل بعدما غيّر “سد مروي” خارطة الفيضانات، وبعدما أوقفت نيران الحرب زحف مشاريع منظمة “الفاو” والمرفق العالمي للبيئة التي كانت تهدف للاستعادة والتعمير.

غابة كدركة اليوم.. سادتي.. تخوض معركتها الأخيرة؛ فإما أن تُمد لها قنوات الري وتُحفر لها الآبار لتعيد بعث الحياة في عروقها، وإما أن نكتفي برثائها وهي تتحول إلى صحراء قاحلة تفتح الأبواب لزحف الرمال وتشريد المجتمعات.
عموما فان ​الواقع الذي لمسته من بعض مواطني كدركة ممن تحدثوا معي حول الواقع المرير ، يؤكد أن إنسان كدركة هو الحارس الأمين إذا ما وجد الدعم، وأن الوعي الشعبي تجاوز بكثير بطء القرار الحكومي. إنقاذ هذه الغابات ليس ترفاً، بل هو معركة وجودية في ولاية تُعد الأفقر نباتياً.

القضية سادتي.. ليست مجرد “حطب” يُباع أو “شجر” يسقط، بل هي انهيار منظومة حياة كاملة.
​يا أهل كدركة، ويا حكومة الولاية، الغابة ليست ملكاً لإدارة أو حكومة، إنها وصية الأجداد وأمانة الأحفاد. إن حماية ما تبقى من هذا الدرع الخضراء هو فرض عين على كل مزارع وراعٍ وشاب، فلنقف سداً منيعاً أمام “القطع الجائر” وأمام “تغول النفوذ”، فإذا ماتت كدركة، سيموت معها آخر خط دفاع لنا ضد شمس التصحر التي لا ترحم.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى