مقالات

لماذا تنتشر نظرية المؤامرة في الواقع العربي والسوداني؟

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

لا يمكن فهم انتشار نظرية المؤامرة في الواقع العربي، ولا في السودان على وجه الخصوص، بوصفه انحرافًا ذهنيًا عابرًا أو ظاهرة هامشية، بل هو نتاج سياق تاريخي وسياسي واجتماعي طويل، تراكبت فيه الخيبات، وتآكلت فيه الثقة، وتراجعت فيه قدرة الدولة والمجتمع معًا على تقديم تفسير مقنع لما يجري. فحين يعجز الواقع عن أن يكون مفهومًا، يصبح التفسير البديل ضرورة نفسية قبل أن يكون خيارًا فكريًا.

والمؤامرة، من حيث الأصل، ليست اختراعًا حديثًا ولا فكرة طارئة على التاريخ الإنساني؛ فهي قديمة وثابتة ومستمرة، ولم يخلُ مجتمع أو دولة، في أي عصر، من أن يكون متآمرًا أو متآمَرًا عليه، مع تفاوتٍ في الدرجات، واختلافٍ في مستويات المكر والشر، تبعًا لاختلاف المبادئ والتصورات والمصالح. غير أن الفارق الجوهري لا يكمن في وجود المؤامرة من عدمها، بل في قدرة الدول على تحجيم أثرها أو تضخيمه، وعلى تفكيك كيدها أو السماح له بأن يتحول

إلى واقعٍ مُكَرَّس. فبقدر ما تبني الدولة نفسها علمًا، وإدارة، وانضباطًا مؤسسيًا، وتنهض بدورها القيادي الواعي والقدوة الحازمة، يخفّ تأثير المؤامرة عليها ويضيق مجالها، بل وقد تتحول الدولة ذاتها إلى فاعلٍ مؤثر في محيطها. وبقدر ما تضعف الدولة، ويختل بناؤها، ويتآكل وعيها وتنظيمها، يصبح تأثير المؤامرة عليها أثقل وأشد.

في الدول والمجتمعات المستقرة نسبيًا، تُواجَه الأزمات بالتحليل، وتُفَسَّر الإخفاقات بسوء السياسات أو ضعف الإدارة أو أخطاء التقدير. أما في الدول والمجتمعات المأزومة، حيث تتكرر الصدمات دون محاسبة، وتنهار المؤسسات دون تفسير، ويتبدل الخطاب الرسمي من يوم لآخر، فإن العقل الجمعي يبحث عن معنى يحفظ له توازنه، حتى لو كان هذا المعنى مختزلًا أو مريحًا أكثر مما هو دقيق. هنا تتحول المؤامرة، من كونها معطًى تاريخيًا ملازمًا لصراع المصالح بين الدول، إلى هاجسٍ مرضي يتجاوز حدود المنطق والعقل.

التاريخ العربي الحديث، والسوداني منه بصورة أوضح، يقدّم أرضية خصبة لهذا التحول. فالمنطقة عاشت طويلًا تحت الاستعمار المباشر، ثم تحت أشكال متعددة من الوصاية والتدخل غير المباشر، وشهدت انقلابات وصراعات إقليمية وتوظيفًا للانقسامات الداخلية. هذه الوقائع الحقيقية جعلت الشك في الفاعل الخارجي أمرًا مشروعًا، بل أحيانًا ضروريًا. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشك، بل هذا اليقين القائم على وقائع ثابتة ومشاهدة كما هو الحال في السودان اليوم، إلى تفسير شامل يُلغي الداخل تمامًا، ويُحمِّل الخارج وحده مسؤولية كل فشل، وكأن الدولة والمجتمع بلا إرادة ولا دور.

في الحالة السودانية، تتفاقم هذه الظاهرة مع غياب سردية وطنية جامعة، وضعف الثقة في النخب، وتآكل المؤسسات، وتشوّش الخطاب العام. ومع كل أزمة، بدل أن يُطرح السؤال حول الخلل البنيوي في الإدارة والقرار والتخطيط، يُستدعى تفسير المؤامرة بوصفه الإجابة الجاهزة. وكلما ولغ المجتمع في هذا النمط من التفكير، ازداد ضعفه الواقعي، وازدادت قابليته الفعلية لأن يُتآمر عليه، بل ويُريح خصومه إلى حدٍّ بعيد؛ إذ تبدأ الدولة، من حيث لا تشعر، في إضعاف نفسها، ثم ينتقل هذا الوهن إلى المجتمع بأسره.

الإعلام بدوره ساهم في ترسيخ هذا المسار، حين استبدل التحليل بالسرد، والفهم بالانفعال، والوقائع بالاتهامات السهلة. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، بات التفكير التآمري أسرع انتشارًا من أي خطاب عقلاني، لأنه لا يحتاج إلى دليل بقدر ما يحتاج إلى قصة مثيرة تُشبع الغضب والخوف معًا.

الأخطر أن نظرية المؤامرة، في صورتها الشائعة، تمنح أصحابها شعورًا زائفًا بالوعي والتفوق المعرفي. فهي توهمهم بأنهم كشفوا المستور، بينما هي في الحقيقة تغلق باب المراجعة، وتصادر إمكان النقد، وتحول الشك من أداة فحص إلى يقين مغلق لا يقبل الاختبار. وهكذا تتحول المؤامرة من معطى تاريخي قائم إلى عائق معرفي حقيقي، يعطّل الإصلاح، ويبرّر الفشل، ويُبقي المجتمعات في دائرة العجز.

إن فهم هذه الظاهرة لا يكون بإنكار وجود المؤامرات، ولا بالسخرية ممن يتوجسون منها، بل بإعادة المؤامرة إلى حجمها الطبيعي في التاريخ، ووضعها في سياقها الصحيح، بحيث لا تصبح شماعة نعلّق عليها كل إخفاق، ولا هاجسًا نبرّر به تخلفنا. فالمجتمع الذي يبالغ في تضخيم المؤامرة لا يحمي نفسه منها، بل يصنع شروطها بيديه، ويمنحها، عمليًا، أعظم انتصار يمكن أن تحققه. ولا يُمكن تجاوز هذا المأزق إلا بدولةٍ تُحيي مؤسساتها، وتُرسّخ أنظمتها المتكاملة، وتعرف، وتشرح، وتُحاسِب، فتُنتج مجتمعًا يُحسن التمييز بين الشك الواعي والارتياب المُعطِّل.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى