
كان المفكر الجزائري مالك بن نبي بصيرا عندما قال: بأن «الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها، في سياق حديثه عن خيانة المجتمع الإسلامي لافكاره السياسية الأساسية فى الشورى والعدالة.
وإذا ما استلفنا منه هذه القاعدة أو الحكمة التاريخية؛ فإن خزلان شعوب العالم من قبل النظام الدولي قد انتقم لها ولا يزال. باعتيفر ان خزلان النظام الدولي لقضايا المظلومين (غزة) كمثال؛ لم يكن فحسب سقوطاً أخلاقياً عابراً للنظام الدولي، بل كان تجسيدا لمبدا مكر التاريخ ومكر الافكار على أصحابها؛ ف(غزة) كمثال عكست على مدار عقود من الزمان حجم الزيف الأخلاقي للنظام الدولي؛ يملحظ حجم التناقض بين القواعد القانونية للنظام والممارسة الفعلية لمجموعة الدول المهيمنة على القرار الدولي.
واليوم، لم يعد هذا الزيف الأخلاقي والتناقض القانوني حكراً على أصوات المظلومين والضحايا من دول ما يعرف استكبارا بالعالم الثالث؛ بل بات يُقرّ به حتى صناع القرار العالمي أنفسهم ؛ وملحظه النعي الأليم الذي عبر عنه رئيس وزاء كندا؛ بمنتدي دافوس؛ عندما نعي بشدة قواعد النظام الدولي وقال أنها كانت دائما أداة الاقوياء لقهر الضعفاء من دول العالم.
مما يعني ان المنظومة السياسية العالمية التي رُوِّج لها الغرب ما بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها ضامناً للعدل والسلام والاستقرار في العالم، لم تُبنَ على قاعدة اخلاقية جامعة، بل على ميزان مزدوج تختلّ نصوصه عند الحاجة، كونها تُهمَل حين تتعارض مع مصالح الأقوياء…
لكن اللافت اليوم ليس هو اعتراف بعض القادة الغربيين بواقع هذه الازدواجية، بل في توقيت هذا الاعتراف… فهو يأتي بعد أن فقد النظام الدولي قدرته على الإقناع، وبعد أن تآكلت شرعيته الأخلاقية أمام اعين كل شعوب العالم التي باتت ترى بأعينها ما كان يخفيه النظام الدولي في دهاليزه من شرور وازدواجية.
فالنعي الغربي لا يعبر عن انهيار مفاجئ لقواعد النظام الدولي؛ وإنما هو في الواقع نتيجة طبيعية لمسار طويل من الظلم المؤسسي والكيل بمكيالين ؛ ولكنه المفارقة هذه المرة انه ارتد على أصحابه الذين آمنوا مكر الله وظنوا انه سيبقيهم على عرش العالم إلى الأبد؛ ولا يامن مكر الله إلا القوم الظالمين.
هذه هي « لعنة الأفكار » او نقل المكر الالهي في التاريخ البشري بلغة فلسفة التاريخ؛ عندما اجبر العالم الغربي على النظر إلى نفسه كظالم بلا مساحيق في منتداهم بدافوس؛ فكان نعي وفضح نظاما دوليا أراد دوما أن يبدو نظاما أخلاقياً بينما كان في الحقيقة تعبير عن منطق القوة لا منطق الحق؛ فالقانون الذي لا تحمه إرادة عادلة، يتحول إلى أداة هيمنة، لا إلى ضمانة سلام.
لقد انكشفت الكذبة الكبرى التي تسمي بالعدالة الدولية، والشعوب التي ظلمت طويلاً لن تعود تثق بعدالة دولية عرجاء تُستدعى عند الطلب وتُغيَّب عند الحاجة. باعتبار انه حين يفرَّغ النظام الدولي من مضانين قيم المشيئة والحق والعدالة، فانه لا يبقى أمام المظلومين سوى البحث عن سُبل أخرى لحماية الوجود والحقوق.
ولكن متى يدرك حكامنا عمق التغيرات السياسية والاقتصادية والقانونية فى العالم؛ ليجترحوا مسارا أعدل لنظام سياسي عالمي تتداعي له أطراف المعمورة؛ بعد ايست شعوب العالم من النظام القديم؛ وحتى لا تجد انفسها مرغمة في الدخول في مجلس السلام العالمي (الترامبي) الذي هو أشد بؤسا من النظام الدولي الذي بات قديما.





