
نواصل هذه السلسلة من الأمواج الناعمة التي تضرب برفق صخور شاطئ الصحافة، لا لتكسرها، بل لتنقّب في طبقاتها، وتستخرج من أعماقها سِيَر صحفيين أثروا المشهد، وما زالوا يجولون ويصولون، ويبلون بلاءً حسنًا في معركة الصحافة الوطنية، إسهامًا صادقًا في مقاربة الإشكالات الراهنة التي تعصف بالوطن، ومحاولةً لردّ الاعتبار للكلمة حين تكون موقفًا ومسؤولية.
واليوم، تمضي تلغرافاتنا في بريد هذه الثلّة الكريمة
مشاعر عثمان
صحفية شابة تستحق عن جدارة لقب «الصحفية الحديدية»، لا من باب المجاز العابر، بل لأن تجربتها كُتبت بالصبر والصلابة ومواجهة العواصف. كانت أول صحفية سودانية ناشرة تقتحم نادي الناشرين السودانيين، وتخوض مغامرة الإصدار الصحفي بإرادة لا تلين، فأطلقت صحيفتها «أول نهار» في زمنٍ تكاثفت فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتراجعت فيه شهية المخاطرة، لكنها اختارت أن تمضي عكس التيار، مسلّحة بالإيمان بالفكرة والرهان على المهنة.
واجهت مشاعر عثمان تعقيدات اقتصادية قاسية، وتعرّضت لمحَنٍ كادت أن تعصف بالتجربة، لكنها قابلت ذلك بصبرٍ جميل وثباتٍ يُحسب لها؛ فلم تنكفئ، ولم تنسحب من المشهد، وخرجت من الأزمة أكثر صلابة، مرفوعة الرأس، شاهدةً بأن النجاح الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع انتزاعًا، وأن الصحافة حين تُحمل بصدق تصبح فعل مقاومة، قبل أن تكون مهنة.
وواصلت مشاعر كفاحها الصحفي بإصرار، وقدّمت حوارات وتقارير متميزة، عكست حسًّا مهنيًا عاليًا، ووعيًا عميقًا بقضايا المجتمع والمرحلة.
ولهذا تحظى «الصحفية الحديدية» باحترامٍ وافر في الوسط الصحفي، على اختلاف مدارسه وتوجهاته، ولها علاقات إنسانية ومهنية مميزة بين الصحفيين والصحفيات على السواء. ومبعث هذا الاحترام أنها نقية السريرة، صادقة القول، خدومة، محبة للخير للناس جميعا؛ وهي صفات نادرة حين تجتمع في مهنة شديدة القسوة والتنافس.





