
الأبوة بين الموروث الاجتماعي ومتطلبات العصر
شهدت المجتمعات في مختلف أنحاء العالم تحولا جذريا في مفهوم الأبوة، ولم يعد دور الأب في العقود الأخيرة يقتصر على تأمين الموارد المالية للأسرة، بل أصبح يشمل المشاركة أكثر في أعباء البيت، بما فيها بعض جوانب التربية اليومية للأطفال، والتي كانت حكرا على الأمهات.
ويتباين هذا التحول في سرعته وشكله بين المجتمعات، ويواجه في بعض الثقافات، خاصة في العالم العربي، صراعات ثقافية وموروثات اجتماعية متناقضة.
الرجل العربي وتحديات الأبوة
يواجه الرجل العربي تحديات ثقافية خاصة في مسألة الأبوة، ففي كثير من المجتمعات العربية يُنظر إلى دور الأب على أنه معيل الأسرة وصاحب السلطة الرئيسية فيها، بينما تكون المهام التفصيلية في التربية اليومية من اختصاص الأم أو كبار السن في الأسرة.
وهذا النموذج لا يزال مستمدا من موروثات اجتماعية تعتبر المشاركة التربوية المباشرة من مهام الأم، إلى درجة أن تدخل الأب في التفاصيل اليومية -مثل التغذية واللباس واللعب- قد يُفسر أحيانا على أنه “مساس بالرجولة” أو “هزّة” في المكانة الاجتماعية للأب.

ولا تزال الثقافة العربية، على الرغم من تغيّرها تحت تأثير العولمة ووسائل الاتصال والتواصل، تواجه صراعا بين التقاليد المحافظة والاتجاهات الحديثة التي تدعو إلى مشاركة متكافئة بين الأب والأم في تربية الأطفال.
وهذا الصراع يجعل الكثير من الرجال أمام صعوبات في تجاوز الصورة التقليدية للأب، ورغبتهم بأن يكونوا “شركاء تربويين فعالين”.
ويمكن رؤية انعكاسات هذا الصراع في المناقشات والجلسات المجتمعية، التي يرى الكثير منها المشاركة المباشرة للأب في التربية “منافية للرجولة”، على الرغم من أن هذه المشاركة تعزز الارتباط الأسري والصحة النفسية للأطفال.
من المعيل إلى الشريك التربوي
تقول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) إن 35 من أصل 38 دولة عضوا فيها توفر شكلا من أشكال إجازة الأبوة المدفوعة الأجر، مع اختلاف مدة الإجازة ومستوى التعويض المالي من دولة إلى أخرى.

وتشير تحليلات المنظمة إلى أن الآباء الذين يأخذون إجازة أبوة لا سيما الإجازات الأطول نسبيا، يظهرون مستويات أعلى من المشاركة في رعاية الأطفال والقيام بالمهام المنزلية اليومية مقارنة بالآباء الذين لا يحصلون على هذه الإجازة.
وتدعم هذه النتائج دراسة بحثية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بعنوان “إجازة الأبوة ومشاركة الآباء ونمو الطفل” (Fathers’ Leave, Fathers’ Involvement and Child Development)، وقد خلصت إلى أن أخذ إجازة أبوة بعد الولادة يرتبط بزيادة ملموسة في انخراط الآباء في أنشطة الرعاية المباشرة للأطفال، مثل الإطعام والاستحمام واللعب، كما أن هذا الأثر قد يستمر حتى بعد عودة الأب إلى العمل.
ويشير ذلك إلى أن سياسات العمل الداعمة لإجازة الأبوة يمكن أن تؤثر بشكل مباشر وإيجابي على توزيع أعباء الرعاية داخل الأسرة وتعزيز دور الأب في تربية أبنائه.
ضغوط الأبوة الحديثة بين العمل والأسرة
رغم التقدم في سياسات العمل في بعض الدول، تظل ضغوط التوازن بين العمل والأسرة تحديا رئيسيا للآباء في العصر الحالي، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا توجد سياسة وطنية شاملة لإجازة الأبوة، مما يعني أن كثيرا من الرجال يأخذون أسبوعين أو أقل من الإجازة السنوية المدفوعة بعد ولادة أبنائهم، بدافع الحاجة إلى العمل أو عدم توفر بدائل مالية.

وتُظهر بيانات مركز “بيو” الأميركي للأبحاث أن نحو 7% فقط من الآباء في الولايات المتحدة متفرغون للبقاء في المنزل لرعاية الأطفال والقيام بالالتزامات المنزلية، مقابل 26% من الأمهات، وهو ما يشير إلى استمرار الفجوة بين الجنسين في توزيع الأدوار الأسرية حتى في الدول المتقدمة.
وفي أوروبا تكشف بعض الدراسات أن 64% من الآباء يشاركون في رعاية أطفالهم يوميا، مقارنة بـ88% من الأمهات، كما يبلغ متوسط وقت الرعاية الأسبوعي للآباء 21 ساعة مقابل 39 ساعة للأمهات.
أثر مشاركة الأب في التربية على نمو الأطفال
تُظهر البحوث العلمية الحديثة أن الأبوة الفعالة والمشاركة المباشرة للأب في حياة أطفاله لها آثار إيجابية واضحة على نموهم النفسي والسلوكي.
فقد بينت دراسة طويلة المدى أجراها فريق لدراسة الأسر الهشة ورفاهية الطفل بقيادة الباحثة سارا ماكلاناهان (Sara McLanahan) ونُشرت نتائجها على ” ببمد” ( PubMed) وهي قاعدة بيانات بحثية رائدة في العلوم الطبية والحيوية، أن زيادة تفاعل الأب مع أطفاله في سنوات الطفولة المبكرة ترتبط بانخفاض السلوكيات العدوانية وتحسن الأداء الأكاديمي والمهارات الاجتماعية في مرحلة المراهقة.

كما تؤكد الدراسة أن المشاركة المنتظمة للأب في التربية ترتبط بشكل إيجابي بالصحة النفسية للأطفال، وبقدرتهم على ضبط الانفعالات، وبانخفاض مستويات القلق والمشكلات السلوكية على المدى البعيد.
وعلى المستوى التطبيقي، تُعد مبادرة “آباء من أجل الحياة” (Dads for Life) في سنغافورة مثالا واضحا على ترجمة هذه الأبحاث إلى سياسات وممارسات اجتماعية.
فقد أُطلقت هذه المبادرة بدعم من المجلس الوطني للأسرة واستندت في خطابها وبرامجها إلى نتائج البحوث النفسية والتربوية التي تربط مشاركة الأب في التربية بتحسين التحصيل الدراسي وتنمية المهارات اللغوية وتعزيز الصحة النفسية للأطفال، إضافة إلى تقليل مستويات القلق والتوتر في مراحل لاحقة من حياتهم.

“الأبوة الحديثة” ليست مجرد تغيير في المهام اليومية داخل البيت، بل هي تحوّل في الهوية الاجتماعية للرجال، وفي وقت تنجح فيه سياسات بعض البلدان في دعم مشاركة الآباء تواجه هذه التحولات ثقافات اجتماعية متجذرة في أماكن أخرى تجعل من مشاركة الأب في التربية قضية معقّدة تتداخل فيها التقاليد مع مطالب الحداثة.
ويتطلب نجاح “الأبوة الحديثة” دعما مؤسساتيا وثقافيا وتعليميا، ليتمكن الرجل من التوفيق بين أدواره الزوجية والمهنية والتربوية بشكل متوازن يخدم أطفاله ومجتمعه في آن واحد.





