محمد خير عوض الله يكتب:..تحت الشمس..حولية الشيخ برير عهد جديد لأهل الطريق.. والبلد في أيدٍ أمينة

محمد خير عوض الله يكتب:..تحت الشمس..حولية الشيخ برير عهد جديد لأهل الطريق.. والبلد في أيدٍ أمينة
شهدت مدينة بورتسودان يوم الجمعة الماضية (2 يناير 2026) ملحمة دينية روحية ثقافية فنية اجتماعية متفردة، ولم تكن فقط مجرد (حولية) سنوية كما دأب أهل التصوف وسجادات أهل الطريق أن ينشروا رياحين الصفاء وعطر النقاء في المجتمع على مر العصور.
بطريقته البارعة في التحديث والمواكبة، استطاع الغوث الكبير والقطب الشهير، الشيخ الطيب الشيخ برير الشيخ الصديق، أن يحوّل الحولية السنوية في ذكرى والده العارف بالله الشيخ برير، إلى تظاهرة ثقافية ودينية واجتماعية وتربوية ورياضية وفنية يصعب تصنيفها وإدراجها ضمن الحوليات التقليدية المعتادة عند أهل الطريق، من حيث الشكل، فقد ظلت الحولية السنوية لرمز الطريق، الشيخ المجاز، المرشد المربي، المادح، الولي العارف بالله
الشيخ برير الشيخ الصديق، ظلت كل عام تأخذ شكلاً متجدداً، بقوة دفع مستترة، وإمداد واضح، تطوف الأرجاء، عبر الأحباب والمريدين في سلطنة عمان ومصر والسعودية وتقام داخل السودان في أمدرمان أبوضعينة، ودنقلا، وعطبرة “كنور”، وكسلا، وحلفا الجديدة ودرديب، وسواكن، وخور المطرق غرب الدويم التي تمثل العاصمة الروحية لأحباب ومريدي الشيخ الطيب، وبسبب ظروف الحرب، والتسهيل على الناس، فقد أصبحت حولية بورتسودان عبارة عن تظاهرة كبرى تصعب الإحاطة في وصفها.
تدافع الأحباب والمريدون من المدن والقرى، ومن خارج السودان، وتدافع أهل بورتسودان، سيما الأحياء المحيطة بمسيد الشيخ الطيب في حي المطار، وشكل الجميع لوحة باهية زاهية، لكن، كل ذلك كوم، وعبقرية الإعداد والبرنامج، كانت تشكل نقطة التميز والتفرد والخروج الكبير عن أطر النمطية التقليدية القديمة. ومعروف عن الشيخ الطيب أنه قد أطلق منذ سنوات الدعوة لتحديث وسائل ورسالة المسيد، وقد بدأ ذلك بنفسه، بركوب المركب الصعب، وقبول التحديات الجسام العظام، وقد أعلن عن التحدي الأول، وهو أن يشتمل المسيد على مرافق خدمية ضرورية في حياة الناس، فأصبح مسيد الشيخ الطيب يشتمل على بقالة ومخبز ومدرسة أساس ومدرسة ثانوية ومستشفى
وصيدلية، كلها في خدمة المجتمع حول المسيد، ولأنه يستهدف المجتمعات الفقيرة والأحياء التي يقل فيها التعليم ويزداد فيها الفقر والجهل وتكثر التفلتات، فإنه أضاف ضمن قائمة الخدمات تشييد قسم شرطة، وغيرها من خدمات.
ومع هذا التحدي الضخم، أعلن الشيخ الطيب عن التحدي الثاني، وهو خروج المسيد من مقاره إلى فضاءات واسعة، يطوف المدن والقرى والأرياف، يقدم هذه الخدمات في مخيمات وقوافل متحركة، حيث نفذ عشرات القوافل الطبية التي تحوي كل التخصصات المهمة، لتقديم العلاج والدواء مجاناً، ولا يكاد يمر شهر حتى تسمع بقافلة في ريف من أرياف السودان المختلفة.
وأعلن الشيخ الطيب عن التحدي الثالث في سبيل تطوير وتحديث أساليب ورسالة المسيد، وذلك بإطلاق علاقة توأمة وشراكة مع الجامعات ومراكز البحث العلمي، وأنشأ الوعاء اللازم لانطلاق هذه الشراكة، فكانت (المبادرة التنموية المجتمعية) التي انطلقت في فندق كورنثيا في الخرطوم قبل عشر سنوات تقريباً، وتدافع عدد من علماء وعمداء وأساتذة علم الاجتماع وخبراء التربية في هذه المبادرة التي تستهدف تقديم الخدمات الضرورية للمجتمع، وإشاعة منهج التسامح والمحبة في المجتمعات، من خلال انخراط الشباب خاصة وكل الفئات العمرية الأخرى في المبادرة وفي قوافل المسيد لاستيعاب طاقات المجتمع وتوظيفها ايجاباً،
وتنميتها بتوسعة دوائر الاستيعاب بمواكبة نمط الحياة المعاصرة، ومراعاة مؤثرات التطور التقني وانعكاساته على طريقة تفكير وسلوك الشباب من الجنسين. كل هذه التفاصيل تمثل مرتكزات رئيسة في المبادرة التنموية بمحاورها التسعة، وقد أسندت الأمانة العامة للمبادرة للأكاديمي المرموق والمؤرخ المعروف البروفيسور معتصم أحمد الحاج مدير جامعة أمدرمان الأهلية.
وضمن مجهوداته في قبول هذه التحديات الجسام، فقد شيد
الشيخ حتى الآن حوالي 30 مدرسة وعدد من المستشفيات ووالصيدليات والمراكز الصحية
وشيد المجمعات الإسلامية في دنقلا والأبيض والدلنج والدمازين وكسلا وعطبرة وحلفا الجديدة وحلفا القديمة وكادوقلي وبورتسودان وابوضعينة، وخور المطرق، وربك، والجمالاب، وغيرها.
هذه الخلفية المختصرة في منهج الشيخ الطيب، ضرورية جداً لتعين وتساعد من لم يحضر الحولية السنوية للعارف بالله الشيخ برير، في بورتسودان، التي بعد أن انطلقت في عدد كبير من مدن وقرى السودان ولاتزال مستمرة.
وقد تجلت ثورة الشيخ الطيب لتجديد المفاهيم والدعوة للمواكبة، في هذه الحولية، فقد كانت ملحمة بمعنى الكلمة، شاركت فيها مكونات عديدة، ولن يتمالك المحب الصادق نفسه وهو يتابع فقرات برامج هذه الحولية، فأنت تتابع
مشاركات مؤسسات المسيد الحديثة في مسيد بورتسودان الذي أقامه الشيخ في محيط اجتماعي من أبناء جبال النوبة، فقد شاركت مدارس الشيخ برير التي قدمت أفضل مثال تطبيقي عملي لرسالة المسيد الحديثة التي أطلقها الشيخ الطيب وقبل التحدي وظل في حالة عمل دؤوب يواصل الليل بالنهار دون انقطاع، ليشاهد ونشاهد معه بفرح غامر جني ثمار غرسه ونتائج سهره وتعبه.. قدم معلمو ومعلمات مدارس الشيخ برير فقرات انهمرت معها دموع الفرح، كذلك التلاميذ وطلاب الخلاوى الذين حفظوا القران.. كذلك لوحات مزدوجة من الفن والدراما والشعر قدمها التلاميذ عن الوئام والسلام الاجتماعي.. وكلمات مضيئة عن مقامات أهل الإحسان قدمها أبناء الحي، تهز المشاعر وتملأ المهتمين بالطمأنينة.
من ضمن مكونات هذه اللوحات البديعة كانت مشاركات الفريق الرياضي من أبناء مسيد الشيخ الطيب..
كانت فترة ما بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب كاملةً للفرق الشعبية لسكان الحي أبناء جبال النوبة الذين جعلوا مسيد الشيخ الطيب دارهم والمنارة المضيئة في حياتهم وديارهم، تدافعوا بفرح هستيري ليجعلوا من حولية الشيخ برير مناسبتهم الخاصة السنوية التي ينتظرونها كل عام. لا أستطيع أن أعدد كل الفقرات غير التقليدية التي كانت في هذه الليلة.
على صعيدٍ موازٍ فإن مساحات واسعة جداً كانت للمشاركات التقليدية المعهودة، حيث شاركت كل الطرق الصوفية التي دخلت ساحة المسيد في كرنفالات ومشاهد مهيبة، برايات الاستقبال المعروفة، وذكر التهليل المهيب الجليل، وكلها قدمت مشاركات غاية في المتعة والامتاع، الطرق والسجادات القادرية، والختمية، والبرهانية، والمكاشفية، والسمانية، وغيرها، تشاهد أبناء الشيخ الجعلي من كدباس، والمجاذيب من الدامر، والشيخ البرعي من الزريبة، وهكذا، عدد كبير جداً لم أحصهم عددا. وقد شاركت جهات اعتبارية عديدة، مثل السفارة المصرية، وممثل وزير العدل، وممثلين
من الإدارات الأهلية وزعامات اجتماعية عديدة، ومسؤولين سابقين، مثل والي البحر الاحمر الأسبق مولانا حاتم الشيخ الوسيلة الشيخ السماني، ابن الطريق وهو من أهل الدار.
بعد أن غادرت الوفود، وتفرقت الحشود، وظنوا أن الليلة قد انتهت، فإذا بها تبدأ من جديد، وهو مايعرف بالشوط الثاني، وهو مخصوص بأحباب ومريدي الشيخ الطيب، الذين يأخذهم الشوط الأول في الاستقبال والتجليس وتقديم وجبة العشاء وخدمة الضيوف، وبعد أن تنتهي الليلة في شوطها الاول، وقد تأخر الوقت، والأجسام متعبة، فإذا بموجات عارمة من الطاقة تسري في أجسادهم، ويحمل الشيخ الطيب الطار بنفسه، ويتدافع الأحباب يطلقون
صيحات الحب والجذب والحماسة، وتضرب النوبة من جديد، وتتعبأ الفضاءات بالنشيد، ويتسلق الأحباب الأنوار بالارواح والبكاء والنحيب، فترى من يدور في فضاء ساحة الذكر برجل واحدة، وترى من يطير ليعانق من يؤاخيه في الطريق، وترى الشيخ في نشاطه المعهود يقود الذكر ويتفاعل مع انجذابات الأحباب ويشاركهم كل أنواع التفاعلات مع النوبة وقفزات الأرواح، وكأنه لم يكن في رهق متصل.
رغم أنني من عشاق النوبة وتفاعلات الشوط الثاني، إلا أنّ ماتشاهده من حصاد وفير لجهد دؤوب بذله الشيخ لسنوات، ودعوات تحدٍ عظيم أطلقها وانخرط في تنفيذها، بتحديث رسالة المسيد وجعله كأنه دولة يقدم التعليم والكساء والدواء، والتربية والايواء، وانشغاله بكثافة وعمق في تشبيك وتوطين الوئام الاجتماعي، ما تشاهده من حصاد وفير في تلك الليلة، يجعلك تقول في ثقة وطمأنينة:
(عهد جديد لأهل الطريق.. والبلد في أيدٍ أمينة).
منذ سنوات ومجالس الأنس بين كثير من أهل الطريق يتحدثون عن تتويج وتأييد ورايات تسلم للمجدد صاحب الوقت.
جزاك الله الخير بالمضاعفات سيدنا وأبونا الحبيب الشيخ الطيب.. معكم تكون الأفراح وتسمو الأرواح، بكم تعمر النفوس وتطيب الحياة.




