محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..القهر باسم العدل

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..القهر باسم العدل
لم يكن كتاب كفاحي مجرد مذكّرات كتبها أدولف هتلر في السجن عام 1924م، بل كان بيانًا تأسيسيًا لمشروع سياسي غيّر وجه القرن العشرين، وأدخل العالم في واحدة من أكثر مراحله دموية. فالكتاب لم يكن سردًا ذاتيًا بقدر ما كان العقل النظري للنازية، والوثيقة التي صاغت رؤية متكاملة للدولة والعرق والسلطة، ثم تحوّلت لاحقًا إلى سياسات وحروب ومجازر.
في صميم هذا الكتاب تقوم رؤية صدامية للعالم ترتكز على ثلاث ركائز: تفوّق العرق، والدولة الشمولية، وشرعنة التوسّع بالقوة. ووفق هذا المنطق لا مكان للتعدّد ولا لحقوق الإنسان، بل يصبح “تفوق الأقوى” مبررًا للإقصاء والسحق. ولم يكن ذلك مجرّد تنظير، بل وصفة عملية لبناء دولة متغوّلة تحتكر القوة والاقتصاد والإعلام والقضاء، وتُخضع المجتمع كله لإرادة الزعيم.
وقد أثبت التاريخ أن هذا الفكر حين تحوّل إلى سياسة قاد إلى حرب عالمية، ومعسكرات إبادة، ودمار شامل، مؤكّدًا حقيقة صارخة: أن القوة حين تنفصل عن الأخلاق تتحوّل إلى وباء، وأن الدول التي تُبنى على كراهية الآخر، مهما بلغت قوتها، مصيرها السقوط.
غير أن خطورة هذه التجربة لا تكمن في كونها صفحة من الماضي، بل في أن منطقها العميق لم يختفِ بسقوطها. فالنازية لم تكن شذوذًا عابرًا، بل تعبيرًا مكثّفًا عن منطق الهيمنة حين يُشرعن التفوّق ويُختزل الآخر إلى عبء أو خطر. هذا المنطق لم يغادر المسرح العالمي، بل غيّر لغته وأدواته، متخلّيًا عن الصراحة الفجّة لصالح خطاب أكثر نعومة وأشد فاعلية.
فلم تعد الهيمنة تُعلَن اليوم باسم “تفوق العرق”، بل باسم “القيم العالمية” و“النظام الدولي”. ولم تعد تُمارَس عبر الجيوش وحدها، بل عبر منظومات الاقتصاد، والعقوبات، والإعلام، والتحكّم في الموارد، وإدارة الصراعات بالوكالة. إنها قوة تمارس الاستنزاف وهي تبتسم، وتفرض القهر وهي تتحدث عن حقوق الإنسان.
ويتجلّى هذا الخلل بوضوح فاضح في مثالٍ مؤسسيٍّ مركزي يُقدَّم للعالم بوصفه ذروة النظام الدولي الحديث: حقّ النقض (الفيتو). فهذا الحق لا يمنح بعض الدول وزنًا سياسيًا أكبر فحسب، بل يقرّر — بنصّ القانون الدولي ذاته — أن العدالة ليست مبدأً مطلقًا، وأن القانون لا يسري على الجميع بالسوية، وأن قرارات تتعلّق بحياة شعوب كاملة يمكن تعطيلها بإرادة دولة واحدة إذا تعارضت مع مصالحها.
الفيتو هنا ليس انحرافًا طارئًا عن القيم المعلَنة، بل كشفٌ عن البنية العميقة للنظام: قانون تُحدّده القوة، وعدالة تُعلَّق حين تمسّ ميزان النفوذ. وهو شاهد كافٍ على أن المشكلة ليست في “سوء التطبيق”، بل في المعيار نفسه حين يكون خاضعًا للقوة لا مقيِّدًا لها.
وهنا تتبدّى المفارقة الكبرى: هتلر كان صريحًا في عدائه، فجاء سقوطه مدويًا، أما الهيمنة المعاصرة فتُمارَس بابتسامة، وتقتل وهي تعظ، وتُفقِر وهي تتحدث عن التنمية. وهذا ما يجعلها أخطر، لأن الضحية لا تُقهر بالسلاح فقط، بل تُطالَب بالامتنان، ويُتَّهَم المستنزَف بالتخلّف إن اعترض.
في مقابل هذا المنطق القائم على القوة المجرّدة، تبرز الرؤية الإسلامية للإنسان والدولة والمجتمع نقيضًا جذريًا، انطلاقًا من كونها تصورًا معياريًا ثابتًا كما يقرّره الإسلام في نصوصه ومقاصده، لا كما تنحرف عنه بعض التجارب التاريخية. فالإسلام ينطلق من مبدأ التكريم الإنساني: «ولقد كرّمنا بني آدم»، ويجعل التفاضل بالأخلاق لا بالعرق ولا بالقوة.
وهنا يظهر فارق منهجي حاسم: فبينما يستند الإسلام إلى معيار أخلاقي متعالٍ سابق على القوة ومقيِّدٍ لها، لا يتبدّل بتبدّل المصلحة، تقوم الحضارة الغربية الحديثة — حتى في صيغها المعيارية المعلَنة — على معايير تتشكّل داخل منظومة القوة ذاتها، وتُعاد صياغتها وفق توازنات النفوذ، لا وفق قيمة إنسانية ثابتة فوقها.
في مفهوم الدولة، أقام الفكر النازي دولة الزعيم المطلق التي تُلغى فيها المحاسبة وتختفي فيها استقلالية المؤسسات. أما النموذج الغربي المعاصر فقد استبدل صورة الزعيم الفردي الصريح بمنظومات مؤسسية شديدة المركزية، رغم التعددية الشكلية، تحتكر القرار الحقيقي، ويُفرَّغ فيها القانون من جوهره حين يتعارض مع مصالح القوة.
وفي العلاقات بين الأمم، رأى هتلر العالم ساحة صراع دائم، والحرب وسيلة طبيعية للهيمنة. ويُدار المنطق نفسه اليوم بوسائل أكثر تعقيدًا، حيث تُشنّ الحروب باسم السلام، وتُفرض العقوبات باسم القانون الدولي، وتُعاد هندسة الدول والمجتمعات باسم الاستقرار.
أما الإسلام فيضع أصل العلاقات على السلم والتعارف، ولا يجيز الحرب إلا بضوابط أخلاقية صارمة، تجعل العدل ميزان القوة لا ضحيتها.
وهكذا، وبعد قرن تقريبًا على صدور كفاحي، يظل الكتاب شاهدًا لا على تجربة منتهية، بل على منطق يتكرّر كلما انفصلت القوة عن الأخلاق. شاهدًا على أن الحضارات لا تُقاس بقدرتها على الإخضاع





