مقالات

فائز الزاكي حسن يكتب: حين تسأل الصين: كيف نمنع الأسوأ؟

فائز الزاكي حسن يكتب: حين تسأل الصين: كيف نمنع الأسوأ؟

 

في خضمّ الأزمات الإقليمية، حيث تتزاحم الأصوات ويعلو ضجيج الاتهام وتبادل اللوم، تميل الصين إلى طرح سؤالٍ مغاير، أقل صخبًا وأكثر عمقًا. لا تنشغل كثيرًا بتحديد «من على حق؟» بقدر ما تتوقف عند سؤال يبدو أبسط في صياغته، لكنه أعقد في دلالاته: ما الذي يمنع تدهور الوضع أكثر؟

هذا السؤال ليس هروبًا من المواقف، بل انتقالٌ واعٍ من منطق الاصطفاف إلى منطق الاحتواء، ومن إدانة اللحظة إلى إنقاذ المستقبل. فالدبلوماسية الصينية، في جوهرها، لا تُدار بروح الغلبة، بل بعقل الموازنة، حيث تُقاس الكلمات بقدرتها على التهدئة لا على إشعال الحرائق، وتُختبر المبادرات بقدرتها على فتح النوافذ حين تضيق الأبواب.

في عالمٍ اعتاد أن يرى النزاعات كساحات للمبارزة السياسية، جاءت المقاربة الصينية أشبه بخطوة إلى الخلف، لا تراجعًا، بل اتساعًا في زاوية الرؤية. فبدل أن تُقسِّم الأطراف إلى منتصر ومهزوم، تسعى إلى تفكيك أسباب الانفجار: الخوف، وانعدام الثقة، وتراكم الإهانات التاريخية. هناك، في هذه المساحات الرمادية، تبدأ بكين عملها الهادئ.

نجاحات الدبلوماسية الصينية لم تأتِ من فراغ، بل من إصرارٍ على مبدأ بسيط: الاستقرار قيمة بحد ذاته. لذلك، غالبًا ما تظهر الصين وسيطًا غير مستفز، لا يرفع صوته، ولا يفرض وصايته، مكتفيةً بإدارة حوار طويل النفس، تُقدَّم فيه التنازلات الصغيرة بوصفها جسورًا، لا هزائم.

وحين تتعثر الوساطات الأخرى عند أول منعطف حاد، تمضي الدبلوماسية الصينية ببطءٍ محسوب، مدركةً أن النزاعات الكبرى لا تُحل بضربة واحدة، بل بسلسلة من الإزاحات الدقيقة التي تمنع السقوط الحر. فهي لا تعد بالمعجزات، لكنها تنجح في كبح الانهيار، وفي السياسة، أحيانًا، يكون منع الأسوأ أعظم إنجاز.

هكذا، تحقّق الصين حضورها في مشهد دولي مضطرب، لا بوصفها قاضيًا يُصدر الأحكام، بل كحارسٍ للتوازن الهش. تسأل سؤالها المختلف، وتترك للإجابة أن تنضج مع الوقت. وفي عالمٍ يندفع نحو الحافة، يبدو هذا النهج، الهادئ والعميق، واحدًا من أنجح أشكال القوة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى