محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..أبقار السودان… وتجربة البرازيل

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..أبقار السودان… وتجربة البرازيل
لم يعد تطوير قطاع الألبان واللحوم في السودان مسألة زراعية فرعية، بل صار خيارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يحدد قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي وتعزيز صادراتها وبناء صناعاتها التحويلية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أيُّ السلالات يمكن أن تقود السودان إلى نهضة إنتاجية حقيقية؟ أهي السلالات الأوروبية اللامعة في الكتب، أم السلالات المحلية الصلبة قليلة الإنتاج، أم السلالات البرازيلية التي أثبتت في المناخات المدارية أنها الطريق الذهبي بين القوة والإنتاجية؟
فالسلالات الأوروبية مثل الهولشتاين والفريزيان تحقق أرقامًا مذهلة في بلدانها الأصلية، إذ تنتج البقرة بين ثمانية وعشرة آلاف كيلوغرام في الموسم، لكنها حين تُنقل إلى مناخات حارة مثل السودان، تهبط إنتاجيتها بنسبة تصل إلى خمسين أو سبعين في المئة، وتتراجع خصوبتها وترتفع أمراضها وتزداد تكلفتها التشغيلية، حتى تصبح — رغم جمالها الورقي — مشروعًا غير اقتصادي ولا واقعي. وفي الجهة الأخرى، تقف السلالات السودانية الأصيلة مثل الكنانة والبطانة والبقّاري بقوتها الفطرية وقدرتها على التحمّل، لكن
إنتاجيتها اللبنية لا تتجاوز في معظم القطعان التقليدية ليتراً أو لترين في اليوم، ولا تتخطى ألف كيلوغرام في الموسم إلا نادرًا، في حين يصل الحيوان إلى وزن الذبيحة بعد ثلاث سنوات أو أكثر، مما يجعل اللحم غالي التكلفة وخشن الألياف ومتفاوت الجودة.
وفي مقابل هذين الخيارين، تبرز التجربة البرازيلية التي استطاعت عبر نصف قرن من البحث العلمي أن تصنع حلاً وسطًا يجمع بين إنتاجية السلالات الأوروبية وصلابة السلالات المدارية. فسلالة الجيرولاندو — التي تمثل أكثر من ثمانين في المئة من إنتاج اللبن في البرازيل — أثبتت أن المناخ الحار ليس عائقًا بل شريكًا إذا وُظِّفت الوراثة توظيفًا صحيحًا. هذه السلالة تنتج في الحظائر المفتوحة بين ثلاثة وأربعة آلاف كيلوغرام في الموسم، وهي زيادة تتراوح بين مئتين وخمسين وأربعمائة في المئة مقارنة بالإنتاج المحلي، وترتفع في القطعان المحسّنة إلى خمسة أو ستة آلاف كيلوغرام، وهو ما يعادل خمسة إلى سبعة أضعاف متوسط ما تنتجه الأبقار السودانية اليوم.
أما في قطاع اللحوم، فإن السلالة البرازيلية الأشهر — النيلور — تقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا عن القطيع المحلي. فالحيوان المحلي يحتاج إلى نحو ثلاث سنوات ليصل إلى وزن الذبيحة التجاري، بينما يصل النيلور إلى هذا الوزن خلال أربعة عشر إلى ثمانية عشر شهرًا فقط، أي أسرع بنحو خمسين في المئة. ويتميز النيلور بكفاءة تحويل علفي أعلى بنحو ثلاثين إلى خمسة وأربعين في المئة، وبنسبة تصافٍ تتجاوز خمسًا وخمسين في المئة، مقارنة بما هو دون الخمسين في المئة في كثير من الذبائح المحلية. وهذا كله يعني أن السودان — عند توطين هذه السلالات — يمكن أن يرفع إنتاج اللحم لكل رأس بنسبة تتراوح بين خمسين وسبعين في المئة، وينخفض معه سعر التكلفة بنحو عشرين إلى ثلاثين في المئة، وتتحسن جودة اللحم وطراوته واتساق مواصفاته بنسبة تتجاوز خمسة وثلاثين في المئة، وهي عوامل تجعل اللحم السوداني منافسًا إقليميًا لا مستهلكًا محليًا فقط.
وليس السودان في هذا الطريق إبداعًا منفردًا؛ فقد سبقته دول إفريقية أقل موارد وضيّق مراعي ثم حققت نجاحات لافتة. ففي رواندا ارتفع إنتاج الألبان ثلاثمئة في المئة خلال سبع سنوات بعد إدخال الجيرولاندو، وفي كينيا ازدادت كفاءة إنتاج اللحم بنحو ستين في المئة في بعض المقاطعات، وفي نيجيريا — صاحبة أكبر تجارب غرب إفريقيا — تضاعف إنتاج اللحم أحيانًا بنسبة تتراوح بين ثمانين ومئة وعشرين في المئة في المشاريع التي اعتمدت النيلور، بينما رفعت إثيوبيا إنتاج ألبانها في بعض المناطق بين مئة وخمسين ومئتي في المئة رغم محدودية المراعي ونقص الأعلاف. فإذا كانت هذه الدول — ذات الموارد المحدودة والأراضي الضيقة — قد استطاعت أن تحقق هذا التحول، فكيف بالسودان الذي يمتلك مراعي أوسع، ومياهًا أغزر، وأعلافًا أرخص، ومساحات خصبة ممتدة تصلح للتسمين المكثف والمرعى المحسن؟
لكن السلالة وحدها — مهما بلغت روعتها الوراثية — لا تكفي. فالعامل الحاسم الذي تُهمل أهميته أحيانًا هو التغذية السليمة. وحتى أفضل سلالة في العالم لا تنتج بلا بروتين كافٍ وطاقة كافية ومعادن دقيقة وماء نقي. وقد أثبتت التجارب الإفريقية أن السلالات البرازيلية — مع تحسين أعلاف بسيط ومتدرج — رفعت إنتاج الألبان بنسب تراوحت بين سبعين ومئتي في المئة خلال ثلاث سنوات فقط، وهي نتائج قابلة للتحقيق في السودان بصورة أسرع، لأن قاعدة الأعلاف المحلية أوسع، والمراعي الطبيعية أغنى، والذرة والبرسيم والسيلاج أرخص إنتاجًا مما هي عليه في الدول التي سبقتنا.
إن الطريق أمام السودان واضح: قطيع نواة وطني من السلالات البرازيلية المنتقاة، وبرنامج وطني للتلقيح الاصطناعي يرفع الإنتاجية تدريجيًا عبر جيلين، وبنية علفية محسّنة توضع في قلب العملية، وإدارة علمية تجعل من التحمّل الفطري للسلالات السودانية أساسًا، ومن الإنتاجية العالية للسلالات البرازيلية جناحًا يرفع الصناعة كلها. وهذا الطريق لا يلغي المحلي ولا يستورد الأجنبي بلا عقل، بل يوفّق بينهما كما فعلت البرازيل نفسها حين صنعت نهضتها.
وهكذا يُبنى المستقبل: بالعلم لا بالصدفة، وباختيار السلاسة لا المغامرة، وباستلهام التجارب الناجحة لا بتكرار الفشل، وبالإيمان أن السودان — بطبيعته وموارده — قادر على أن يصبح قوة إقليمية في إنتاج الألبان واللحوم خلال عقد واحد فقط، إذا اختار الطريق الصحيح وبدأ السير فيه من اليوم.




