إبراهيم شقلاوي يكتب: ..وجه الحقيقة..البرهان يستخدم تكتيكاً جديداً

إبراهيم شقلاوي يكتب: ..وجه الحقيقة..البرهان يستخدم تكتيكاً جديداً
يبدو أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش قد اختار، أن ينتقل من موقع الدفاع السياسي إلى منصة المبادرة الاستراتيجية. مقاله في صحيفة وول ستريت جورنال كان بمثابة رسالة مدروسة بعناية، موجّهة إلى الجهة الأكثر تأثيراً في واشنطن: صنّاع القرار، مؤسسات الأمن القومي، والدوائر الاقتصادية التي تقرّر في النهاية أين تُبنى الشراكات ومن تُدعم من الدول.
في هذا المقال نحاول قرأة المشهد قراءة هادئة لمضمون المقال بما يكشف عن تكتيك سياسي جديد يوظّف لغة المصالح ويبتعد عن الخطاب التقليدي. فالبرهان بدأ وكأنه يطرح – بصورة غير مباشرة – صفقة إستراتيجية للولايات المتحدة مقدما نفسه لمرحلة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية مشيرًا إلى أنه يريد للسودان أن يستعيد دوره كقوةٍ إقليميةٍ إيجابية.
و مذكرا “أن السودان تحت قيادته ، اتخذ خطوة تاريخية في عام 2021 بانضمامه إلى اتفاقيات أبراهام” . بما يفهم أنه لا يمانع التطبيع مقابل حفظ الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وفقا لرؤية حل الدولتين ، هذا الاتجاه في خطاب البرهان الذي أغفلته الترجمة العربية المتداولة للمقال يفتح الباب أمام مرحلة جديدة ويقدم البرهان كجنرال يجيد التكتيك والمناورة والصفقات السياسية ويقفل الباب أمام خصومه . كما أنه بذلك فتح الباب أمام الاستثمارات الأمريكية في الشراكات و إعادة الإعمار، واستعداد لمواءمة مع التوجهات السياسية الجديدة في الإقليم ، دون إعلان صريح قد يثير حساسية الداخل السوداني.
هذا التحوّل، إن كان مقصوداً، يمثل نقلة براغماتية واضحة، تعيد تقديم السودان كدولة تبحث عن إعادة التموضع في النظام الإقليمي والدولي، بعد سنوات من العزلة وسوء التقدير السياسي، الذي أدخل البلاد في مواجهات وجلب عليها عقوبات موجعة. والأهم من ذلك، أن البرهان يحاول أن ينفي الرواية التي ظلت بعض الأطراف تروّجها بأن الجيش واقع تحت تأثير الإسلاميين، وأن خياراته ليست مستقلة. المقال جاء ليقول: القرار سوداني، والدولة تبحث عن مصلحتها وفق قراءة جديدة للواقع الدولي.
في ذات الوقت، يدرك البرهان أن الحديث عن التطبيع يبقى قضية حسّاسة في الوجدان العربي والإسلامي، وأن أي إشارة له قد تُفهم على أنها محاولة لابتزاز الدعم الخارجي أو تقديم تنازلات على حساب الرأي العام. ولذلك جاء خطابه حذِراً، محكوماً بلغة الأمن والاستقرار والسيادة، مقدّماً الجيش كحارس للدولة وضامن لاستقرارها، لا طرفاً في صراع على السلطة.
لكن الأهم في هذا المقال هو السردية التي يثبتها البرهان أمام العالم: هذه ليست حرب جنرالين كما سعت دعاية المليشيا وداعميها لتمريرها في الإعلام الدولي، بل حرب دولة تواجه تمرداً مسلحاً ذا سجل دموي ممتد من دارفور إلى الخرطوم، ومدعوماً من قوى إقليمية تبحث عن موطئ قدم في البحر الأحمر والساحل الأفريقي. هذه السردية تعيد ترتيب الطاولة الدبلوماسية بالكامل، لأنها تُلزم المجتمع الدولي بالتعامل مع الجيش كـ”مؤسسة شرعية”، لا كطرف يعادل قوات الدعم السريع المتمردة.
المقال أيضاً أعاد ربط الحرب بالمصالح الأمريكية : أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وسلامة الملاحة، وتمدّد المرتزقة العابرين للحدود. بذلك حوّل البرهان الصراع السوداني من ملف “أفريقي داخلي” إلى قضية أمن قومي أمريكي، وهذه هي اللغة الوحيدة التي استجابت لها واشنطن تاريخياً.
ويتضح من توقيت النشر أن البرهان يسعى لفتح قناة مباشرة مع الإدارة الأمريكية ، مستفيداً من اللغة التي يفضّلها الرئيس ترامب: لغة المصالح، الصفقة، والمكاسب السياسية . فالمقال يمنح ترامب اعترافاً بدوره الدولي، ويقدّم السودان كحليف محتمل في منطقة مضطربة تحتاج واشنطن فيها لشريك مؤتمن ، وهو وصف لا ينطبق على أي قوة سوى الجيش السوداني.
من جهة أخرى، فإن نشر مقال بهذا الحجم في صحيفة بهذه المكانة يوجّه ضربة قوية لمحاولات “شرعنة” مليشيا الدعم السريع داخل دوائر اللوبيات الأمريكية. فالمقال يكشف – بالأرقام والأدلة – حجم الانتهاكات، ويضع المليشيا في مربع “التنظيمات الإرهابية”، ما يجعل الدفاع عنها أو تقديمها كطرف سياسي أمراً مكلفاً لأي جهة إقليمية أو دولية و في واشنطن.
أما داخلياً، فإن الخطوة تحمل رسائل متعددة، رفع سقف التفاوض الدولي عبر تثبيت أن تفكيك المليشيا شرط لا يمكن تجاوزه، وأن الدمج لا يكون إلا جزئياً ولغير المتورطين في جرائم. كذلك التأكيد على أن الجيش ما يزال ملتزماً بالانتقال المدني، وأن الحرب عطّلت المسار لكنها لم تلغِه.
إرسال إشارة للشارع السوداني بأن الدولة تسعى إلى استعادة تموضعها الإقليمي، وأن السودان يمتلك من الثروات والموارد والموقع الجيوسياسي ما يكفي لإعادة بنائه إذا توفرت الشراكات الدولية الجادة و الصحيحة.
داخليًا أيضاً ، يضع الخطاب القوى السياسية أمام توازنات جديدة. فالقوى المدنية المتصدعة بفعل الحرب ستقرأ الرسالة بوصفها محاولة للعودة إلى التوافق الذي فقدته السلطة خلال الفترة الماضية، بينما سيدخل الإسلاميون في حسابات أكثر تعقيدًا: فهم من جهة لا يريدون خسارة النفوذ الذي اكتسبوه في سنوات الحرب، ومن جهة أخرى يدركون أن الانفتاح على المصالح قد يكون طريقًا لإعادة تموضعهم إذا صيغ بطريقة تحفظ لهم قدرة التأثير.
التجربة السورية مع الرئيس أحمد الشرع تقدّم لهم مثالًا ملموسًا، إذ تكيّفت بعض القوى العقائدية مع التحول البراغماتي عندما شعرت أن الانخراط في مسار الانفتاح سيمنحها نافذة جديدة للنفوذ. والسودان اليوم يتحرك في مسار مشابه، خاصة مع دخول السعودية –التي هندست جانبًا من التحول السوري– على خط الأزمة السودانية، ما يجعل الإسلاميين أقل قدرة على الرفض المطلق وأكثر ميلًا للتعاطي المشروط وأكثر تقه في المآلات .
أما دول الجوار، فستقرأ الخطاب بعيون قلقة. مصر التي تبحث عن استقرار حدودها الجنوبية ستتلقّى الرسالة بحذر، لكنها قد ترى فيها مدخلًا لعودة التوازن إلى المشهد إذا اقترنت بخطوات عملية على الأرض. إثيوبيا ستراقب بتوجس أي خطاب يلمّح إلى قدرة الخرطوم على إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، بينما تنظر دول الخليج إلى الأمر من زاوية الاستثمارات والأمن الإقليمي، وتحديدًا من زاوية النفوذ في البحر الأحمر.
خارجيًا، تشكّل الرسالة اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد واشنطن لإعادة النظر في مقاربتها تجاه السودان. المقاربة الأمريكية الراهنة ليست قائمة على الأسماء، بل على ضمانات وقف الحرب، وضبط السلاح، ومنع توسع النفوذ الروسي في البحر الأحمر. لذلك لن تمنح واشنطن البرهان دعمًا مباشرًا، لكنها ستتعامل مع خطابه بمسؤولية كإشارة أولية ، شرط أن تتبع الرسائل خطوات حقيقية، خصوصًا أن إدارة ترامب –قياسًا بتصريحاته حول مبادرة محمد بن سلمان– تبدو أكثر ميلًا لتسويات سريعة تضمن الاستقرار وتحدّ من نفوذ الصين وإيران وروسيا في المنطقة.
وفي الإقليم، تمثل السعودية حجر الارتكاز في هذا التحول. فمنذ أن قدّم ولي العهد مبادرته لإنهاء الحرب وقبلها ترامب ، بات واضحًا أن الرياض تريد هندسة تسوية تُعيد السودان إلى المجال الإقليمي المستقر، كما فعلت في سوريا، قد تستخدم أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لدفع الأطراف السودانية نحو التسوية . وإذا قرأت السعودية في الخطاب الجديد استعدادًا حقيقيًا للانفتاح، فقد تلعب دورًا حاسمًا في إعادة تقديم البرهان دوليًا.
خطوة نشر مقال في الصحافة الأمريكية ليست جديدة في العلاقات الدولية، فقد استخدمها قادة كبار في لحظات حرجة لإعادة صياغة صورتهم: بوتين حين عارض التدخل الأمريكي في سوريا عبر نيويورك تايمز، أردوغان حين سوّق رؤيته الإقليمية عبر وول ستريت جورنال، محمد بن سلمان حين أعاد تقديم مشروعه الإصلاحي ، روحاني تمهيدًا للاتفاق النووي . كل هؤلاء أدركوا أن مخاطبة العمق الإعلامي الأمريكي هي محاولة للتأثير في مؤسسات الدولة العميقة وليس في الجمهور فحسب.
دخول البرهان إلى هذا السياق يعني أنه يدرك أن بوابة العودة الي المجتمع الدولي تمر عبر واشنطن، وعبر الإقليم، لا عبر الداخل وحده. وإذا استطاع البرهان أن يحوّل هذا الخطاب من مجرد إشارة إعلامية إلى عملية سياسية متدرجة ، وضمانات إقليمية، وإعادة ترتيب العلاقة بين المكونات الداخلية، فقد يشكّل ذلك بداية تحوّل حقيقي يعيد السودان إلى دائرة الفعل والتأثير .
يمكننا القول بحسب #وجه_الحقيقة أن المقال، خطوة سياسية محسوبة تضع السودان من جديد على طاولة الحسابات الإقليمية والدولية وحسابات واشنطن علي وجه الخصوص . وإن هذا التكتيك الجديد أن تبعته خطوات عملية على الأرض، فسيكون بمثابة بداية لقطع الطريق أمام المؤامرة الدولية والأطماع الاقليمية والسرديات الفجة ، لأجل إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تعيد للسودان مكانته ودوره الطليعي .
دمتم بخير وعافية.
السبت 29 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com





