محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..وما أدراك ما الـDNA؟ (2 من 10) كيف تُقرأ الشيفرة؟ ومن يحوّل الحروف إلى حياة؟

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..وما أدراك ما الـDNA؟ (2 من 10) كيف تُقرأ الشيفرة؟ ومن يحوّل الحروف إلى حياة؟
إذا كان الـDNA كتابًا مهيبًا يحمل سرّ الخلق كما رأينا في الجزء الأول، فإن السؤال التالي الذي يفرض نفسه هو: من يقرأ هذا الكتاب؟ وكيف تتحول تلك الحروف الأربع — A وT وC وG — إلى حياة نابضة تتحرك وتتنفس وتبني وتهدم وتصلح وتنظم نفسها بدقة لا تخطئ؟ إنّ ما يجري داخل الخلية لا يمكن وصفه بأنه مجرد تفاعلات كيميائية، بل هو عملية قراءة وفهم وتنفيذ، تشبه في عمقها ما يفعله الإنسان حين يقرأ نصًا ثم يحوله إلى عمل. فالخلية ليست كومة مواد، بل منظومة تعرف ماذا تفعل ومتى تفعل وكيف تفعل، وكأن يدًا خفية تهديها طريقها خطوة بخطوة.
تبدأ الرحلة حين تُفتح صفحة من صفحات الـDNA، فيأتي إنزيم عبقري يسمّى «ناسخ الشفرة» فيقرأ الحروف واحدًا بعد آخر، بدقة لا تطيقها أعظم العقول. ومن هذه القراءة تُصنع نسخة جديدة تسمّى RNA، وهو «الرسول» الذي يحمل التعليمات من مركز القيادة في النواة إلى المصانع الحية داخل الخلية: الريبوسومات. وهناك تبدأ قراءة ثانية للرسالة؛ تُقرأ الحروف حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، لتُصنع بروتينات تُبنى كما تُبنى الكلمات من الحروف والجمل من الكلمات والفصول من الجمل. وكل بروتين هو «جملة» دقيقة في كتاب الحياة، يؤدي وظيفة محددة لا تتبدل، من بين آلاف الوظائف التي تحفظ الجسد وتبقيه حيًا.
والمذهل أن الخلية تكاد لا تخطئ. فهي تميّز بداية الجملة الجينية ونهايتها، وتعرف أي المعلومات يجب أن تُقرأ وأيها ينبغي كتمها، وتدرك اللحظة المناسبة لنسخ هذه الجينة أو إيقاف تلك. ولو وقع خطأ في حرف واحد، لضاعت وظيفة كاملة، وربما انهار معها نظام حيوي في الجسد. غير أن الخالق أودع داخل الخلية أجهزة تدقيق تبحث عن الأخطاء وتصلحها لحظة وقوعها، وكأنها تعلم أنّ بقاءها مرهون بالدقة المطلقة. إنها لا تعمل بالعشوائية، بل كمنفذٍ لأحكام قانون لا يسمح بالعبث.
وهنا يتجلّى معنى قوله تعالى:
«الذي قدّر فهدى»
فالتقدير هو كتابة الشفرة، والهداية هي إلهام الخلية طريقة القراءة والتنفيذ والتصحيح. فلا الـDNA يفكر، ولا الـRNA يفهم، ولا الريبوسوم يعقل، لكن الكل يعمل وفق هداية إلهية مغروسة في أصل الخلق.
ثم تأتي مرتبة أعمق يسمّيها العلماء «التنظيم فوق الجيني – Epigenetic»؛ شيفرة فوق الشيفرة، تتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها، وزيادة نشاط بعضها وخفض نشاط أخرى، وفق حاجة الخلية والبيئة والزمن. إنها قواعد عليا تنظم القواعد الدنيا، نظام لا يوجد في الطبيعة العشوائية، بل في التصميم المقصود المحكم.
وعندما ينظر المرء في هذا الإتقان، يدرك معنى قوله تعالى:
«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق».
فلو كان الـDNA مجرد تفاعل مادي، لما احتاج إلى قارئ وناسخ ومترجم. ولو كان الأمر فوضى، لما وُجد هذا الانسجام البديع في كل لحظة. إنّ كل خطوة في القراءة والتنفيذ والتدقيق شهادة على إرادة عليا وضعت الخطة، وهداية أودعت في الخلايا، وسنّة لا تتخلف.
ولا يتوقف الدرس عند الخلية.
فالـDNA لا يكشف فقط عن سرّ الخلق، بل يكشف أيضًا عن قانون النهضة:
فكما تحتاج الخلية إلى قارئ أمين للنصّ، تحتاج الأمم إلى منظومة تقرأ إمكاناتها وتترجم مواردها إلى فعل.
وكما يفسد بروتين بخطأ في حرف، ينهار وطن بخطأ في منظومته.
وكما جعل الله للخلية كتابًا تهتدي به، جعل للإنسان منهجًا يصلح به دنياه.
إنّ قراءة الـDNA ليست عملية بيولوجية فقط، بل صورة مصغّرة لقوانين الوجود:
الدقة، الإحكام، النظام، الهداية، الإصلاح، والعدل.
وفي الجزء القادم (3 من 10)، سنصل إلى اللحظة الفاصلة:
كيف تتحول الشيفرة الوراثية إلى بروتين؟
كيف يصبح النص فعلًا، والحرف حركة، والمعلومة حياة؟
إنها لحظة ولادة الحياة نفسها… وفيها يتجلّى سرّ أعظم من كل ما مضى.





