محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (3 من 13) الاقتصاد الرقمي والمليون شركة صغيرة

محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (3 من 13) الاقتصاد الرقمي والمليون شركة صغيرة
لم يعد الاقتصاد الحديث قائمًا على المصانع الضخمة والميزانيات الهائلة وحدها، ولا على الشركات العملاقة التي تحتل عناوين الصحف، بل على شيء آخر أكثر تواضعًا في الشكل، أعظم أثرًا في النتائج: الشركات الصغيرة التي تولد من رحم الرقمنة، وتكبر بالمعرفة، وتشتغل بالبيانات، وتنتشر في كل مدينة وقرية، لتصبح — معًا — قوة اقتصادية تعادل ما لا تقدر عليه عشرات المصانع التقليدية. ففي زمن الاقتصاد الرقمي، أصبح العالم يدرك أن النهضة لا يصنعها مشروع واحد ولا شركة واحدة، بل منظومة واسعة من الأنشطة الصغيرة التي تحوّل الطاقة البشرية إلى إنتاج حقيقي.
والاقتصاد الرقمي ليس مجرد بيع إلكتروني أو تطبيقات على الهواتف. إنه منظومة متكاملة تبنى على ثلاثة مرتكزات: توفر البيانات، والمنصات التي تربط العرض بالطلب، والذكاء الاصطناعي الذي يحسن الحركة داخل هذه المنظومة. وما إن تتوفر هذه المرتكزات، حتى تبدأ ولادة الشركات الناشئة تلقائيًا دون تدخل حكومي ثقيل أو تمويل ضخم، بل بمجرد وجود بيئة صالحة ترفع الحواجز، وتسمح للأفكار أن تتنفس.
وقد يتساءل البعض في السودان — كما في الدول النامية — كيف يمكن لشركات صغيرة أن تصنع فرقًا في اقتصاد يعاني من هشاشة البنية وتعدّد التحديات؟ والجواب أن هذه الشركات لا تحتاج إلى مصانع ضخمة ولا بنية صناعية ثقيلة، بل إلى “نظام” يسمح لها بالظهور: بيئة رقمية تخفف التعقيدات، وتقلل التكاليف، وتفتح المجال لمن يملك فكرة أو مهارة أو حلًا بسيطًا لمشكلة يومية.
ومن الأمثلة التي يمكن أن تنشأ فور بناء البيئة الرقمية السليمة: شركات لتحليل صور الأقمار الصناعية للمزارعين، وتطبيقات لإدارة الري بحساسات زهيدة الثمن، ومنصات لربط المزارعين بالأسواق مباشرة دون وسطاء. وفي التجارة يمكن أن تولد شركات صغيرة لإدارة المخزون، وأخرى لتتبع الشحنات، وثالثة لإدارة المتاجر عبر الهاتف. وفي النقل تنشأ تطبيقات لتتبع الشاحنات، ولتنظيم الحافلات، ولربط القرى بالمدن عبر شبكات بسيطة من المعلومات. وفي التعليم تنتشر منصات للدروس القصيرة، والمراجعات الذكية،
والتمارين التفاعلية. وفي الخدمات الحكومية تظهر شركات جديدة للأرشفة الرقمية، وجمع البيانات، وجدولة المواعيد، وأنظمة الدفع، وحلول الربط بين المؤسسات. وفي الصحة شركات لقراءة الأشعة، وتحليل البيانات، وإدارة المواعيد، والربط بين الصيدليات والمستشفيات. وفي الإعلام عشرات الشركات الصغيرة لصناعة المحتوى، والتصميم، وإنتاج الفيديوهات القصيرة، وإدارة حسابات المتاجر.
هذه الشركات لا تحتاج إلى رأس مال كبير مقارنة بالمشاريع التقليدية، لكنها تحتاج إلى شيء أهم: بيئة تمنحها الحق في الوجود. بيئة تقدم خدمات حكومية رقمية، وتسمح بالتسجيل السهل، وتخفض تكاليف التراخيص، وتوفر الدفع الإلكتروني، وتربط الأسواق ببعضها. في هذه البيئة يمكن — وبواقعية كاملة — أن يصبح السودان بلد “مئات الآلاف من الشركات الصغيرة”، بل بلد “مليون شركة صغيرة” مع مرور الوقت؛ شركات تعمل في شتى المجالات، وتخلق الوظائف، وتزيد الصادرات، وتفتح أسواقًا جديدة، وتجذب استثمارات، وترفع الناتج القومي بطرق أسرع وأقوى من المشاريع التقليدية الثقيلة.
والاقتصاد الرقمي في جوهره هو اقتصاد الفرص الصغيرة، تلك التي تكون في متناول الشباب، وفي مقدور النساء، وفي متناول كل صاحب مهارة أو حرفة كانت تُهدر — قبل الرقمنة — بين الورق، والصفوف، وضيق السوق. أما الآن فهي قابلة للحياة والنمو والاتساع.
ويمتاز هذا الاقتصاد بأنه لا ينهض فقط بالجهد الفردي، بل يخلق تراكماً اقتصاديًا جديدًا. فكل شركة صغيرة تكمّل الأخرى: شركة لإدارة المواعيد تحتاج إلى شركة للدفع، وشركة للخرائط تحتاج إلى شركة للبيانات، وشركة للمحتوى تحتاج إلى شركة للإعلانات — أي أن كل شركة تعتمد على أخرى، فتتشابك جميعها في شبكة واحدة تدفع الاقتصاد للنمو. ومع الوقت تتشكل «منظومة» متكاملة أقوى من أي شركة كبيرة واحدة.
وحين يتوسع هذا الاقتصاد، يبدأ المستثمرون الكبار في الالتفات إليه، وتبدأ الشركات العالمية في البحث عن شراكات محلية، ويبدأ رأس المال في التحرك نحو الشباب بدل انتظار المشاريع الحكومية الثقيلة. وهذا وحده كفيل بفتح أبواب جديدة لا يمكن لأي اقتصاد تقليدي أن يخلقها بالوتيرة نفسها.
وما يجعل هذا التحول ممكنًا هو أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يخفضان “تكاليف الدخول إلى السوق” إلى مستويات غير مسبوقة — أي أن تأسيس مشروع لم يعد يحتاج مالًا كثيرًا أو إجراءات معقدة كما كان في الماضي. فبدلًا من بناء مصنع يمكن إنشاء منصة، وبدلًا من شراء أسطول شاحنات يمكن إطلاق تطبيق ينظم الموجود أصلًا، وبدلًا من ميزانيات ضخمة للتسويق يمكن لصاحب المشروع أن ينتج فيديو واحدًا يصل إلى الآلاف. وهكذا تتحول البلاد إلى ورشة مفتوحة للأفكار.
وهذا هو جوهر النهضة الاقتصادية الحديثة: اقتصاد متعدد الأذرع، متنوع، قائم على المعرفة، تصنعه آلاف الشركات الصغيرة، لا بضعة مشاريع كبرى. اقتصاد يولّد وظائف حقيقية، ويعزز المنافسة، ويخفف الاحتكار، ويزيد الإنتاج، ويعيد توزيع الفُرص، ويمنح الشباب مكانهم في قلب الحركة الاقتصادية.
وختامًا، فإن هذا المقال يأتي ضمن سلسلة من ثلاثة عشر مقالًا نضع فيها حجر الأساس لاقتصاد رقمي قادر على خلق فرص جديدة، وتوسيع الأسواق، وجذب الاستثمارات، وفتح الباب أمام مليون شركة صغيرة تكون — مجتمعة — قوة لا يستهان بها في نهضة السودان الحديثة.




