مقالات

محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (1 من 13) خريطة طريق لنهضة السودان

 محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (1 من 13) خريطة طريق لنهضة السودان

 

 

لم يعد التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي شأنًا تقنيًا محدود الأثر، ولا مجالًا تجريبيًا خاصًا بقطاع دون آخر، بل أصبحا — وفق ما تؤكده الاتجاهات العالمية المتراكمة — تحولًا جذريًا في طبيعة إدارة الحياة الحديثة نفسها: في العمل، والتعليم، والصحة، والإنتاج، وإدارة الدول، وبناء الاقتصادات، وصناعة التنافس الدولي. وهذا التحول لا يشبه ما سبقه، لأنه يمتد من أدقّ وحدات المعلومة إلى أوسع نطاقات النشاط الإنساني؛ من خلية البيانات إلى الأفق الاقتصادي والسياسي العالمي.

فالتحول الرقمي، في جوهره، إعادة بناء شاملة لكيفية إدارة المؤسسات والمجتمعات. وهو انتقال من الأنظمة الورقية البطيئة إلى منظومات تعتمد على البيانات والتحليل والسرعة والشفافية والربط اللحظي بين الجهات. أما الذكاء الاصطناعي، فهو العقل البرمجي القادر على تحليل هذه البيانات، وتعلّم أنماطها، وتوقع نتائجها، واقتراح قرارات محسوبة تدعم صانع القرار. والاندماج بين الاثنين — وهو ما يشكّل الاتجاه العالمي اليوم — ليس رفاهية، بل ضرورة تمليها متطلبات الكفاءة والحوكمة الحديثة.

ومنذ مؤتمر دارتموث عام 1956 الذي وُضع فيه الأساس النظري لمصطلح “الذكاء الاصطناعي”، شهد العالم موجات صعود وهبوط، حتى جاءت ثورة البيانات والإنترنت ثم التعلّم العميق ونماذج المحولات، ليفتح ذلك الباب أمام الثورة التوليدية التي نعايشها الآن. ووفق التقارير الاقتصادية الدولية المتداولة، فإن القيمة المضافة لهذه التقنيات مرشحة لأن تعيد تشكيل الناتج العالمي، بفضل قدرتها على رفع الإنتاجية وخفض الهدر وتحسين نوعية القرارات.

والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجالين منفصلين، بل نظامين متكاملين؛ فلا قيمة للذكاء الاصطناعي بلا بيانات رقمية متماسكة، ولا يكتمل التحول الرقمي ما لم يُدمج فيه الذكاء الاصطناعي في كل مستوى من مستويات الإدارة. فالدولة التي تبني هوية رقمية موثوقة، وإطارًا موحدًا للبيانات، ومنصة خدمات مركزية، وسياسات متسقة للأمن السيبراني، تخلق البيئة التي تجعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على رصد المخاطر، وتحليل الإنفاق، وتوقع الكوارث، وإدارة المرور، وتوجيه الموارد بكفاءة.

ويظهر أثر التحول الرقمي بوضوح في تجارب الدول التي تبنّت الرقمنة العميقة؛ إذ انتقلت من التخمين إلى التحليل، ومن ردّ الفعل إلى الاستباق، ومن القرارات المعزولة إلى الإدارة الموحّدة. وهذه الاتجاهات ليست توقعات نظرية، بل مشاهدات موثقة في دول اعتمدت الرقمنة فارتفعت إنتاجيتها وتوسعت أسواقها، مقابل دول بقيت أسيرة الورق فخرجت من دائرة التنافس.

ولا تقتصر هذه النهضة على الشركات العملاقة، بل تتجلى بوضوح في انتشار الشركات الصغيرة التي تنشأ بمجرد توفير البيئة الرقمية السليمة. وهذا الاتجاه بات حقيقة راسخة في آسيا وإفريقيا وأوروبا على السواء؛ حيث تصنع الشركات الناشئة — رغم صغر حجمها — أثرًا تراكمياً يفوق أحيانًا أثر الشركات الكبرى، بفضل مرونتها وسرعتها وقدرتها على تقديم حلول دقيقة منخفضة التكلفة. ففي الزراعة، تنشأ شركات لتحليل صور الأقمار الصناعية، وفي التعليم منصات للتعلم الذكي، وفي النقل تطبيقات لتتبع المركبات، وفي الخدمات الحكومية شركات للأرشفة والجدولة والدفع، وفي المحتوى الرقمي شركات للإنتاج الموجّه والوسائط القصيرة. ومع تكاثر هذه الشركات، تتحول إلى قوة اقتصادية وطنية متماسكة تعزز قدرة الدولة بدل أن تزاحمها.

أما في الصحة، فقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم في الكشف المبكر، وتحليل الصور، وتصميم الأدوية، وتقليل الأخطاء الطبية، وهو اتجاه معتمد لدى عدد كبير من المؤسسات الصحية الرائدة. وفي التعليم، بدأ العالم ينتقل من نموذج الصف الموحد إلى التعلم الشخصي القائم على تحليل مستوى الطالب. وفي الصناعة، أخذت المصانع الذكية والتوأم الرقمي مكانهما في خطوط الإنتاج. وفي النقل ظهرت المدن الذكية التي تُدار بالبيانات بدل التخمين. وفي الإعلام توسعت صناعة المحتوى الرقمي المدعوم بالأدوات الحديثة.

ومع هذه الفرص تظهر تحديات طبيعية: فجوة رقمية بين من يمتلكون التقنية ومن يُحرَمون منها، مخاطر الخصوصية، التحيز الخوارزمي، المحتوى المزيف، والاعتماد المتزايد على أنظمة تحتاج إلى بنى تحتية محكمة. وهذه التحديات ليست حجة للتردد، بل هي جزء من واقع عالمي يجري التعامل معه عبر التشريعات، والحوكمة، وسياسات الأمان، وتطوير الكفاءات المحلية.

وهكذا نقف أمام لحظة لا تحتمل التباطؤ. فهذه الثورة ليست امتدادًا لما قبلها، بل نقطة انعطاف عالمية تُشبه — في أثرها — دخول الكهرباء إلى الاقتصاد العالمي قبل قرن. والدول التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كملف سيادي لم تفعل ذلك من فراغ؛ لأنه أصبح عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي، وكفاءة الاقتصاد، وجودة الإدارة العامة. ومن باب أولى أن تتعامل معه الدول الساعية إلى النهضة باعتباره فرصة لإعادة البناء، وتحسين الأداء، وتحرير الطاقات، وتمكين الشباب، وخلق اقتصاد تنافسي لا يعتمد على الموارد وحدها بل على المعرفة والإبداع.

وهذا المقال هو بداية سلسلة من ثلاثة عشر مقالًا تتناول — بمنهجية عملية — كيفية توظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في كل قطاع من قطاعات الحياة: الاقتصاد، والحكم، والصحة، والتعليم، والزراعة، والصناعة، والإعلام، والمجتمع. سلسلة لا تكتفي بالتشخيص، بل تهدف إلى صياغة خارطة طريق يمكن البناء عليها في المستقبل القريب.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى