مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..سيفُ العزِّ وعزمُ القلوب

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..سيفُ العزِّ وعزمُ القلوب

 

 

استشهد الرئيس أحمد الشرع في قمة الدوحة ببيت للشاعر العربي ابن برّاقة، وهو مطلع عميق في معناه ودلالاته. وقد رأيت أن أجعل من هذا المطلع منطلقًا لمقالي، رابطًا بين الشعر والسياسة في الماضي والحاضر، ثم أكملتُه — بقليل جهدي المتواضع — بأبيات على نهجه، علّها تضيء الرسالة وتوضح أن العزيمة والكرامة هما الطريق إلى النصر، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها ويقظتهم.

لم يكن استشهاد القائد في تلك القمة مجرد اقتباس أدبي لتجميل الخطاب، بل كان رسالة سياسية ووجدانية عميقة. ففي عالم تتنازع فيه القوى مصالحها وتضغط على أوطاننا لتبقى في دائرة الضعف، جاءت الإشارة إلى ذلك البيت لتذكير الحاضرين أن نهضة الأمم لا تقوم إلا بالعزيمة والسيف والكرامة، وأن المجد لا يُنال بالركون إلى غير الجهد، بل يُصنع باليقظة والشجاعة والأنفة التي تأبى المظالم. وهنا يصبح الشعر العربي القديم منصة خطاب معاصر، وبيت ابن برّاقة يتحول إلى رمز سياسي يعكس جوهر الإرادة الحرة.

ولم يكن هذا الاستخدام استثناءً؛ فالتاريخ زاخر بقادة استلهموا الشعر في لحظات مفصلية. ففي صدر الإسلام حثَّ النبي ﷺ شاعرَه حسان بن ثابت رضي الله عنه على الدفاع عن الدين بالكلمة كما بالسيف، وقال له: «اهجهم وروح القدس معك». وكان الخلفاء الراشدون يستشهدون بالشعر في خطبهم ومواقفهم؛ فعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يردد أبيات زهير: «ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ … وإن خالها تخفى على الناس تُعلَم» ليذكّر ولاته أن الأخلاق لا تختفي. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يستشهد بحكمة العرب ليؤكد معاني الصدق والعدل.

وفي العصر العباسي استدعى هارون الرشيد أبيات الفرزدق ليقوي معنويات جنده، بينما كرر صلاح الدين الأيوبي أشعار الحماسة والزهد ليستنهض العزائم قبل المعارك. وفي الأندلس كان عبد الرحمن الداخل يفتتح مجالسه بأبيات العز والوفاء ليشد من أزر دولته الناشئة، ثم ورث العثمانيون هذا التقليد، فكان الشعر جزءًا من روح الجيش، يُتلى قبل الزحف كما تُقرع الطبول. هكذا ظل الشعر شريكًا للسيف في صناعة التاريخ، وصوتًا يوقظ النفوس قبل المعارك.

واليوم يأتي استشهاد الشرع ليعيد وصل السياسة بالشعر، ويربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن المعركة الكبرى في منطقتنا لا تُكسب إلا بالوعي والعزيمة. وهي رسالة تصلح لكل قضايا العرب الراهنة؛ في فلسطين حيث يتجدد الكفاح، وفي السودان حيث يسعى الشعب إلى مقاومة الظلم والمكر، وفي اليمن حيث ما تزال المعاناة طويلة. والعبرة واحدة: لا حرية ولا كرامة ولا سيادة بغير يقظة الشعوب وإرادتها الصلبة.

المطلع هو للشاعر ابن برّاقة، وقد جرى استكماله على نفس البحر الطويل والقافية المضمومة بقلمي المتواضع، وجاءت الأبيات لتجعل الرسالة أكثر جلاءً، فهي لا تصف طريق المجد فحسب، بل تؤكد أن العزيمة النائمة لا تُنجب نصرًا، وأن النجاح لا يلازم إلا المثابر، وأن الأوطان لا تعز بالذلة ولا تذل والسيف قائم:

متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارمــا
وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ

وترتقي أفقًا عليًّا موطدًا
ويستنيرُ الدجى وتدنـو المغانمُ

لَعَمرُكَ ما عزّت بلادٌ بذلّــةٍ
ولا ذلّتِ الأوطانُ والسيفُ قائمُ

فإن سرتَ في دربِ المعالي مثابرًا
رأيتَ المعالي بالنجاحِ تُلازمُ

وإن أنت لم تُعطِ العُلا من جهادِها
فلا تنتظرْ يومًا لمجدٍ يداوم

فلا العزُّ يُؤتى في ركودٍ وراحةٍ
ولا يُرتجى نصرٌ وعزمُك نائمُ

وهكذا يظل الشعر سيفًا معنويًا يعاضد ويناصر السيوف المشرعة، ومن جمع بين القول والفعل، فقد أدرك سرّ النصر وصنع التاريخ.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى