مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..السودان: ثروةٌ تنزف وشعبٌ يفتقر

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..السودان: ثروةٌ تنزف وشعبٌ يفتقر

 

 

حين نقيس غِنى الشعوب لا ننظر إلى خزائن الحكومات، بل إلى ما يناله الفرد من نصيبٍ في الدخل والفرص والخدمات. بهذا الميزان الواقعي، يتبيّن أن المواطن السوداني يعيش اليوم دون متوسط القارة الأفريقية بكثير؛ فبيانات البنك الدولي عن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالدولار الجاري تُظهر أن السودان يقع عند شريحة متدنّية مقارنة بمتوسط أفريقيا جنوب الصحراء، الذي يفوقه بوضوح. هذا يعكس فجوةً خطيرة في إنتاجية الاقتصاد وفي تحويل الموارد الطبيعية والمالية إلى رفاهٍ فعلي للأُسَر، لا إلى أرقامٍ تتكرر في الخطط والبرامج دون أثر ملموس في الحياة اليومية.

وعند النظر إلى قمة السُلَّم الأفريقي، نجد دولًا صغيرة نسبيًّا نجحت في مضاعفة دخل الفرد عبر الإدارة الرشيدة والانفتاح على الاقتصاد العالمي. سيشل تتصدر المراتب الأولى بنصيبٍ للفرد يتجاوز 17 ألف دولار، تليها موريشيوس التي بلغت قرابة 12 ألف دولار للفرد معتمدة على السياحة والخدمات المتنوعة، بينما تُظهر بوتسوانا نموذجًا بارزًا في تحويل مورد واحد – الماس – إلى تعليمٍ وصحة وبنى تحتية، فترتفع دخول الناس لا المؤشرات وحدها. هذه التجارب تؤكد أن صغر المساحة أو قلة الأنهار ليس عائقًا أمام غِنى المواطن إذا استُثمرت الموارد بعقلٍ ونظام.

وعلى الطرف الآخر، تتذيل دول مثل بوروندي والنيجر وإفريقيا الوسطى وموزمبيق الترتيب بدخولٍ تقل عن 700 دولار للفرد سنويًا، بفعل النزاعات المزمنة وضعف الإنتاجية وغياب الأسواق المنظمة. بين القمة والقاع يقف السودان في موقع متأرجح؛ ليس الأفقر أفريقيًّا، لكنه بلا شك في الثلث الأدنى من حيث نصيب الفرد، بعيد عن متوسط القارة، وأبعد عن شواهد النجاح التي صنعتها دولٌ أفريقية عبر إصلاحات جادّة ومؤسسات قوية.

تفسير هذا التفاوت واضح: القدرة المؤسسية على تحويل الموارد إلى دخولٍ وفرص. فالدول الناجحة لم تراهن على مورد واحد، بل استندت إلى قواعد حوكمة صارمة، وعدالةٍ في التحصيل الضريبي، وتمويلٍ مُنضبط يستهدف النمو المنتج لا الاستهلاك العابر. حين ترتفع كفاءة التحصيل والتنظيم، ترتفع معها حصة الفرد من الناتج، وما تُحصّله الدولة وتُنفقه على التعليم والصحة والبنية الأساسية يعود مباشرة على مستويات المعيشة. هنا يكمن الفارق الحاسم بين اقتصادٍ مُنظَّم يقيس أداءه ويصحّحه، واقتصادٍ مبعثر تتبدّد فيه العوائد بين التهريب والفساد والعشوائية.

في السودان تتكدّس الأصول الطبيعية: أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، وثروة حيوانية تتجاوز 100 مليون رأس، واحتياطيات من الذهب والنفط، و12 نهرًا غير النيل. لكن القيمة المضافة لا تتجسد في جيب المواطن كما ينبغي. ليست المشكلة في ندرة الماء أو التربة أو السوق، بل في سلسلة التحويل: من الحقل إلى المصنع، ومن المصنع إلى الميناء، ومن الميناء إلى العملة الصعبة التي تُموّل تعليم الأبناء وصحة الأمهات وطرق القرى. ما لم تُغلق مسارب التسرّب في هذه السلسلة، سيبقى دخل الفرد متواضعًا مهما تضخمت أرقام الإنتاج الخام.

وهنا يبرز معنى التحرير الشامل المقترن بالحوكمة والرقمنة ونفاذ القانون: تحريرٌ يفتح أبواب المنافسة ويكسر الاحتكار، حوكمةٌ تُنهي فوضى التراخيص والجبايات، رقمنةٌ تُحكم قبضتها على الإحصاء والتحصيل وتتبع السلاسل، وقانونٌ يمشي على الجميع بلا استثناء. هذه الركائز وحدها قادرة على نقل الموارد من حالة النزيف إلى حالة الاستثمار المنتج.

وإذا أردنا عبور الفجوة سريعًا، فهناك أولويات عملية تؤثر مباشرةً في دخل الفرد لا في الشعارات: تعظيم القيمة المضافة الزراعية عبر تصنيع الأغذية والأعلاف والزيوت محليًّا بعقود شراءٍ مضمونةٍ للمزارعين وتمويلٍ موسميٍّ رقميّ، توطين الصناعات الخفيفة والمتوسطة على طول سلاسل الذهب والثروة الحيوانية والحبوب الزيتية بما يرفع الإنتاجية ويخلق وظائف حضرية أعلى أجرًا، ربط الأقاليم بالأسواق بنقل رخيص ومخازن تبريد وتمويل لوجستي لأن كل دقيقة تأخير بعد الحصاد تُقتطع من دخل الأسرة الريفية، تحرير سوق العمل وتسهيل تأسيس الأعمال الصغيرة فهي أسرع محركات رفع الدخل الفردي متى أُزيلت القيود، وتحقيق السلام الدائم الذي يوفر اليقين الاستثماري؛ فالسلام ليس بندًا سياسيًّا فقط بل هو الشرط المالي الأول لتدفق رؤوس الأموال التي ترفع الأجور وتكسر بطالة الشباب. وكما أن السلام عنصر فاعل في الاستقرار وجلب الاستثمار، فإن اعتماد التحرير الشامل والحوكمة والرقمنة ونفاذ القانون – حتى في حال الحروب والأزمات – أدواتٌ تسارع بتوطين السلام وترسيخه، لأنها تخلق مناخًا اقتصاديًا واجتماعيًا يصعّب على النزاعات أن تجد بيئة خصبة للاستمرار.

وعلى صعيد المقارنات المرجعية، يمكن للسودان أن يستلهم من بوتسوانا فكرة الصندوق السيادي والانضباط في إدارة الموارد، ومن موريشيوس الانفتاح على الخدمات والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، ومن سيشل تعظيم العائد من السياحة المستدامة، ومن تجارب شرق أفريقيا الحديثة الربط بين الطاقة واللوجستيات والزراعة لرفع الدخل الريفي والحضري معًا. هذه ليست نظريات، بل وقائع صنعت أثرها في جيب المواطن قبل أن تُسجل في تقارير الأداء.

إن ثروة السودان ليست موضع نزاع، إنما موضع نزيف. وما بين وضعنا الراهن وموقعٍ أقرب إلى شواهد النجاح الأفريقية مسافة يمكن قطعها خلال سنوات قليلة إذا اقترنت التحريرات الاقتصادية ببناء مؤسسات تمسك بمفاتيح السلسلة كاملة: إحصاءٌ دقيق، تحصيلٌ عادل، عقود شفافة، تمويلٌ مُنضبط، وسوقٌ تنافسي. عندها فقط تتبدل خريطة المعيشة؛ يرتفع نصيب الفرد لا لأننا بعنا أكثر، بل لأننا أحسنا التنظيم، فصار ما ننتجه يتحول إلى دخل كريم وفرص متكافئة.

إن أراد السودان أن يغدو بين شعوب أفريقيا الأوفر حظًّا، فالمعادلة واضحة: تحرير شامل، حوكمة صارمة، ورقمنة شاملة تعصم المال العام والخاص من الفاقد والتهريب. وما سوى ذلك ليس إلا إعادة اجترار للفقر بأسماء جديدة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى