مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: ..بهدوء وتدبّر..بديع صنع الله: هدايةٌ فطرية تُبهر العقول

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: ..بهدوء وتدبّر..بديع صنع الله: هدايةٌ فطرية تُبهر العقول

 

 

حين ينقض صقر الشاهين بسرعة تبلغ 390 كيلومتراً في الساعة أي ما يعادل ثلث سرعة الصوت فإنه لا يخطيء إصابة فريسته ولا يصطدم بغصن او طائر آخر او سلك ممدود او مبنى لأنه يستخدم تقنية تعجز عنها أرقى الرادارات وأقوى أجهزة الملاحة . فهو في هذه السرعة الفائقة يوازن بين سرعة الرياح وقوة تيارات الهواء وجاذبية الأرض والقوة المطلوبة لإصابة فريسته دون أن تؤثر عليه .

وقد اقتبس علماء الطيران من العظيمات الموجودة في انفه والتي لولاها لتمزق جهازه التنفسي في هذه السرعات العالية اقتبسوا منها كيفية تطوير محركات الطائرات لتتجاوز سرعة الصوت دون أن تتحطم .
وحين نتأمل سلوك الكائنات في بيئاتها المختلفة ، نكتشف أننا لسنا أمام غرائز بدائية، بل أمام منظومات مدهشة منسقة ، تؤدي وظائفها بدقة تفوق كثيراً ما تصنعه العقول البشرية .

هذه السلوكيات التي وصفها العلماء بمصطلحات مثل “السلوك التكيفي” و”البرمجة الفطرية”، ليست سوى أثر من آثار الهداية الإلهية الكاملة التي أودعها الله في خلقه. قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: 50].

فمن ذلك مشهد الطيور المهاجرة حين تطير لمسافات طويلة بتشكيل يشبه الرقم (٧) أو الحرف (V). أثبتت دراسة منشورة في مجلة Science عام 1970 أجراها العالمان بيتر ليسمان وكارل شولنبيرغر أن هذا التشكيل يقلل مقاومة الهواء ويوفر ما يصل إلى 30% من الطاقة التي يبذلها الطائر . وفي عام 2007 أوضح الباحث ديفيد ويليس في دورية AIAA Journal of Aircraft أن الطيور تنسق توقيت خفقات أجنحتها بشكل لحظي لتستفيد جماعياً من تيارات الهواء الصاعدة . هذا التناغم لا يتم عبر قيادة ناطقة أو إشارات مرئية معقدة ، بل بهداية مغروسة في الكيان .

وقد خلصت دراسة من جامعة أكسفورد نُشرت عام 2021 إلى أن “سلوك الحيوان ليس مجرد سلسلة ردود أفعال آلية ، بل يُظهر نمطاً من التنسيق الدقيق والتكامل الهندسي الذي لا يمكن تفسيره بالكامل عبر نظرية الاصطفاء الطبيعي وحدها”. وذهبت الدراسة إلى أن هذا النوع من السلوك يشير إلى وجود “هداية أولية مغروسة في الكائن ، تُوجهه إلى أداء مهامه دون تجربة سابقة”، في اعتراف ضمني بأن التفسير المادي وحده قاصر عن الإحاطة بأسرار هذا النظام البديع .

قال تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَٰٓفَّٰتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ ۥ بِكُلِّ شَىْءٍۭ بَصِيرٌ﴾ [الملك: 19].
وفي سلوك الدجاجة التي تحتضن بيضها نجد عجباً آخر . فهي تقلب البيض بانتظام وتبقيه في حرارة ثابتة دون أن تقرأ كتاباً في علم الأجنة أو تُجري تجارب . علماء الأحياء يؤكدون أن عدم تقليب البيض يؤدي إلى التصاق الجنين بالقشرة وموت الفرخ . فسبحان من ألهمها فعل ما يعجز عنه من لم يتعلم .

أما النحل فهندسة خلاياه السداسية حيّرت علماء الرياضيات ، وأثبت الباحث كارل فون فريش الحائز على جائزة نوبل عام 1973 أن النحل يبني خلايا بأقل كمية شمع ، ويهتدي في طيرانه برقصة تنقل المعلومات عن اتجاه ومسافة الرحيق . وأكدت دراسة منشورة في Nature عام 2005 أجراها الباحث جيمس رايلي وفريقه ، أن النحل يتبع هذه الرقصات بدقة مذهلة باستخدام رادارات متخصصة .

قال تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون🔹ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُ ۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 68 – 69].
وسمك السلمون ، مخلوق يولد في مياه عذبة ، ثم يهاجر آلاف الكيلومترات في المحيط ، ثم يعود بعد سنوات إلى نفس مجرى النهر الذي وُلد فيه ليضع بيضه . يفسّر العلماء هذا السلوك باستخدام “البوصلة المغناطيسية البيولوجية” و”ذاكرة الروائح” . لكن دقّته المذهلة لا تزال تشكل لغزاً .

النمل يبني مستعمراته ويختار أقصر الطرق ، وينشر مواد كيميائية تُرشد غيره ، ويقسم العمل بدقة دون إدارة مركزية . وذكر الدكتور بيرت هولدوبلر أشهر باحث في سلوك النمل في كتابه المشترك مع إدوارد ويلسون The Superorganism : أن النمل يعمل بتنظيم اجتماعي لا يضاهيه نظام بشري .
قال تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُ ۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].

والعنكبوت، تبني بيتاً بخيوط هندسية دقيقة تُعد من أقوى المواد المعروفة نسبةً إلى وزنها، لكنها تصنع منها بيتاً هشّاً لا حماية فيه ولا دفء . رمز الله به إلى من يتخذ غيره ولياً.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41] .

السلاحف البحرية تعود بعد أكثر من عشرين عاماً إلى نفس الشاطئ الذي خرجت منه لتضع بيضها في ذات الرمال التي ولدت فيها . دراسة من جامعة نورث كارولينا أوضحت أن السلاحف تحتفظ بخريطة مغناطيسية للأرض تُسجّل فيها موقع ولادتها بدقة .
قال تعالى: ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُ ۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88].

وهنا يتجلّى السؤال الكبير: أفيُهدى الطير والسمك والنحل، وتُلهَم الدجاجة والنملة والعنكبوت والسلحفاة وغيرها من المخلوقات ، ثم يضلّ الإنسان وقد أوتي العقل والوحي والقرآن؟
قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38]،
وقال: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْآفَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ ۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

فسبحان من هدى المخلوقات إلى وظائفها ، أفلا يهتدي الإنسان ، وقد بُسط له كتابان : أحدهما منشور في الكون ، والآخر مسطور في القرآن ؟
أفلا يتفكرون ؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى