هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة | الخباثة

ليست كل الخباثة صاخبة أو واضحة المعالم، فبعضها يتسلّل في هدوء، متخفّيًا خلف تصرّف يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في داخله نوايا ثقيلة. من أكثر هذه الأفعال خبثًا أن يمدّ شخص يده إلى هاتفك دون علمك، ويتصل منه برقم يخصّك، ثم يتركك تواجه العواقب وحدك.
الهاتف اليوم ليس مجرّد وسيلة اتصال، بل امتداد لخصوصيتنا، وذاكرتنا، وعلاقاتنا. حين يعبث به شخص دون إذن، فهو لا ينتهك جهازًا فحسب، بل ينتهك الثقة. والاتصال برقم يخصّك – صديق، قريب، زميل، أو حتى جهة رسمية – ليس تصرّفًا عشوائيًا، بل فعل مقصود، غالبًا ما يكون هدفه الإيقاع، أو الإفساد، أو زرع الشكوك.
هذه الخباثة تقوم على مبدأ «اضرب واختفِ». الفاعل يعرف أن الأثر سيقع عليك أنت، وأنك ستُسأل، وتُحاسَب، وتُساء الظنون بك، بينما هو يقف بعيدًا متلذذًا بالفوضى التي صنعها. قد يحرّف كلمة، أو يرسل إشارة خاطئة، أو يفتح باب سوء فهم يصعب إغلاقه.
الأخطر في هذا الفعل أنه يضرب العلاقات في مقتل. اتصال واحد قد يزرع ريبة، أو يشعل خلافًا، أو يكسِر صورة، أو يهزّ ثقة بُنيت على سنوات. وهنا تتحقّق غاية الخبث: الإفساد دون مواجهة، والضرر دون بصمات واضحة.
نفسيًا، هذا السلوك يعكس شخصية تميل إلى التلاعب، وتستمتع بإدارة الصراعات من الخلف. هي شخصية لا تملك شجاعة المواجهة، ولا أخلاق الاختلاف، فتختار الطريق الملتوي. بدل أن تقول ما تريد علنًا، تختبئ خلف هاتف غيرها، واسم غيرها، وصوت غيرها.
أما اجتماعيًا، فمثل هذه الأفعال تُفقد الناس إحساس الأمان. تجعلنا نشكّ في أبسط الأشياء، ونحمي هواتفنا كما نحمي أسرارًا خطيرة، لأن التجربة علّمتنا أن الخيانة أحيانًا تكون قريبة، وصامتة، ومبتسمة.
الوعي هنا ضرورة، لا رفاهية. حماية الهاتف، وعدم تركه في متناول أيّ كان، ووضع كلمات مرور، ليست مظاهر شك، بل إجراءات احترام للذات. والأهم من ذلك، أن نُحسن الظن بحذر، وألا نُدين شخصًا باتصال أو رسالة قبل أن نسمع توضيحه.
في النهاية، الخباثة لا تُقاس بحجم الفعل، بل بنيّته. ومن يأخذ هاتفك دون علمك، ويتصل منه ليشوّه أو يربك أو يوقع، لا يقوم بمزحة، بل بعمل أخلاقيّ ساقط. فالنزاهة لا تحتاج إلى مراقبة، والإنسان السويّ لا يختبئ خلف هواتف الآخرين ليؤذيهم.





