مقالات
نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (19 من 26): الجمعية التعاونية القوية… شركة أهل القرية
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

تنبيه منهجي: يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.
إذا كانت الحلقات السابقة قد بينت أهمية التخصص، وإضافة القيمة، وضبط الكلفة، وإدارة المخاطر، والتخزين، وحسن التنظيم في الإنتاج الزراعي والحيواني، فإن سؤالًا جوهريًا يفرض نفسه هنا: من الذي يجمع هذه الجهود المتفرقة في إطار واحد؟ ومن الذي يمنع أن تبقى كل أسرة تعمل وحدها، وتشتري وحدها، وتبيع وحدها، وتخسر وحدها؟ وهنا تظهر أهمية الجمعية التعاونية القوية، لا بوصفها عنوانًا إداريًا أو لجنة شكلية، بل بوصفها شركة أهل القرية بالمعنى العملي المنضبط.
والمقصود بالجمعية التعاونية هنا ليس مجرد كيان يُسجل في الأوراق، ثم يبقى أثره محدودًا أو موسميًا، وإنما المقصود هو أداة تنظيم اقتصادي جماعي، تُحوِّل ما لدى الناس من طاقات فردية صغيرة إلى قوة تفاوضية وإنتاجية وتمويلية أكبر.
فالقرية التي يعمل أهلها منفردين قد تملك الجهد، لكنها تفتقد كثيرًا من القوة. أما إذا اجتمعت في إطار تعاوني منضبط، فإنها تبدأ في تحويل التشتت إلى وزن، والعدد إلى أثر، والعلاقات الاجتماعية إلى مصلحة اقتصادية مشتركة. ومن هنا فإن الجمعية التعاونية الناجحة لا تبدأ من الشعار، بل من الوظيفة الواضحة.
فما الذي أُنشئت لأجله؟ هل لشراء المدخلات جماعيًا؟ هل لتسويق الإنتاج؟ هل للتخزين؟ هل لإدارة خطوة من خطوات القيمة المضافة؟ هل لتوفير خدمة أو تمويل أو تدريب؟ لأن الجمعية التي تدخل كل شيء دفعة واحدة قبل أن يتضح دورها، تُربك نفسها سريعًا، وتفقد ثقة الناس فيها. أما الجمعية التي تبدأ بوظيفة محددة واضحة يحتاجها أهل القرية فعلًا، فإن فرص نجاحها تكون أعلى وأرسخ. وأول قوة تمنحها الجمعية للقرية هي قوة التجميع. فالفرد وحده يشتري بكلفة أعلى، ويبيع بسعر أضعف، ويتحمل مخاطر أكبر.
أما حين تُجمع الطلبات أو المنتجات أو الموارد، فإن الموقف الاقتصادي يتغير. فالشراء الجماعي قد يخفض السعر، والبيع الجماعي قد يرفع القدرة على التفاوض، والتخزين الجماعي قد يقلل الفاقد، والتنظيم الجماعي قد يفتح أبوابًا لا تُفتح للفرد المنعزل. لكن الجمعية لا تنجح لمجرد أنها جماعية، بل تنجح إذا كانت منضبطة.
فكم من عمل تعاوني انهار لا لأن فكرته ضعيفة، بل لأن إدارته مضطربة، أو حساباته غامضة، أو مسؤولياته غير محددة، أو ثقة الناس فيه ضعفت بسبب المجاملة أو الفوضى أو غياب الشفافية.
ولهذا فإن الجمعية القوية لا تقوم فقط على حسن النية، بل على قواعد واضحة: من يدير؟ من يراجع؟ كيف تُتخذ القرارات؟ كيف تُسجل الأموال؟ كيف يُعلن الحساب؟ وما حقوق الأعضاء وواجباتهم؟ ومن أهم ما ينبغي التنبه له في هذا الباب أن الجمعية التعاونية لا ينبغي أن تتحول إلى باب استهلاك أو مجاملة، بل تبقى موجهة إلى النشاط المنتج.
فكلما ابتعدت عن وظيفتها الاقتصادية الأساسية، ضعفت، وربما تحولت إلى عبء أو إلى ساحة نزاع. أما إذا بقيت مرتبطة بحاجات القرية الإنتاجية الفعلية—شراءً، أو تسويقًا، أو تخزينًا، أو خدمة، أو تدريبًا، أو تمويلًا منضبطًا—فإنها تظل قريبة من الواقع، ويظل الناس يرون أثرها في حياتهم اليومية. والجمعية التعاونية القوية تملك ميزة أخرى شديدة الأهمية، وهي أنها تنقل القرية من منطق الأفراد إلى منطق المؤسسة. فالفرد قد ينجح عامًا ويتعثر عامًا، وقد يغيب فيتوقف ما بيده، أما المؤسسة فتتراكم فيها الخبرة، وتُحفظ فيها السجلات، وتُبنى فيها العلاقات، ويمكن أن تستمر ولو تغير الأشخاص. وهذا من أعظم الفروق بين النشاط العابر والبناء القابل للاستمرار.
كما أن الجمعية تهيئ للقرية فرصة أفضل للدخول في مشروعات أكبر قليلًا مما يطيقه الفرد وحده. فالفرد قد لا يستطيع إنشاء مخزن، أو شراء بعض التجهيزات، أو تنظيم منفذ بيع، أو التعاقد على كميات أكبر، أو تحمل كلفة تسويق منضبط، لكن الجمعية—إذا حُسن بناؤها—قد تستطيع أن تقوم بذلك نيابة عن مجموع الأفراد، أو لحسابهم، أو بالتنسيق بينهم. وهنا تصبح الجمعية بالفعل شركة أهل القرية، لأنها لا تنافسهم، بل تجمع قوتهم وتخدم مصالحهم.
ومن الحكمة أيضًا أن تبدأ الجمعية التعاونية بداية صغيرة محسوبة، لا أن تُحمّل نفسها أكثر مما تطيق. فبعض الجمعيات تتعثر لأنها تريد منذ يومها الأول أن تقوم بكل شيء: شراءً، وبيعًا، وتمويلًا، وتخزينًا، وتصنيعًا، وتدريبًا، وإدارة مشروعات. وهذا كثيرًا ما يفوق قدرتها التنظيمية والإدارية. أما البداية الرشيدة فتكون بوظيفة أو وظيفتين واضحتين، ثم يتوسع الدور بقدر ما يثبت من نجاح وانضباط.
ومن أكبر الأخطاء كذلك أن تُبنى الجمعية على أشخاص دون نظام. لأن الناس مهما كانت نياتهم حسنة، لا يقوم العمل طويلًا على الثقة المجردة وحدها. لا بد من كتابة وضبط ومراجعة وإعلان، حتى تبقى الثقة مبنية على واقع ظاهر، لا على الانطباعات. فالجمعية التي تُظهر حسابها، وتوضح قرارها، وتلتزم نظامها، أقدر على البقاء من جمعية يختلط فيها الشخصي بالمؤسسي. والجمعية التعاونية القوية لا تخدم الاقتصاد فقط، بل تخدم العدالة داخل القرية أيضًا.
لأنها إذا حُسنت إدارتها، منعت أن تبقى الفرص حكرًا على الأقوى تفاوضًا أو الأكبر قدرة مالية، وفتحت الباب لانتفاع أوسع، خاصة في أبواب الشراء، والتسويق، والخدمات المشتركة، والدخول المنظم إلى بعض الأنشطة التي يصعب على الفرد وحده أن يبلغها. ومن هنا فإن نجاح الجمعية ليس في مجرد وجودها، بل في أن يشعر أهل القرية بأن انضمامهم إليها زاد منافعهم فعلاً: خفض الكلفة، أو حسّن السعر، أو قلل الفاقد، أو فتح منفذًا، أو نظم خدمة، أو حفظ حقًّا. فإذا لم يتحقق هذا الأثر العملي، بقي الكيان شكليًا وإن حمل اسم التعاون.
إن القرية التي تريد نهضة اقتصادية متماسكة لا يكفيها أن تملك أفرادًا مجتهدين، بل تحتاج أيضًا إلى وعاء يجمع هذا الاجتهاد ويوجهه ويحميه. والجمعية التعاونية، إذا قامت على الوضوح والانضباط والوظيفة المنتجة، هي أقرب الأوعية إلى هذا الدور. فحين تعمل الجمعية كما ينبغي، لا تعود مجرد جمعية، بل تصبح بالفعل شركة أهل القرية: تُنظم قوتهم، وتحفظ مصالحهم، وتمنح جهدهم الفردي صورة جماعية أقدر على الصمود والنمو.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى أداة مكملة لهذا البناء، شديدة الأثر إذا أُحسن ضبطها: الصندوق الدوّار… تمويل ذاتي بلا ارتهان.



