الأخبارمقالات

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (4 من 19): قرى التخصص وتأسيس نواة النشاط الاقتصادي الملائم

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليست النهضة القروية الحقيقية في أن نحشد للقرى عبارات الدعم العامة، ولا في أن نكرر الحديث عن التنمية من غير تحديدٍ دقيقٍ لما ينبغي أن تقوم عليه، وإنما تبدأ النهضة حين ننتقل من العموم إلى التعيين، ومن الرغبة إلى التشخيص، ومن الشكوى إلى البناء.

ومن أظهر ما تكشفه بعض التجارب الناجحة في البيئات الريفية أن القرية لا يلزم أن تتوزع جهودها في كل اتجاه، بل قد يكون سر قوتها في أن تعرف ما الذي يلائمها أكثر من غيره، ثم تتخصص فيه، وتبني عليه، وتتوسع منه، حتى يغدو ذلك النشاط هويةً اقتصاديةً لها، وموردًا لأهلها، ومجالًا تتراكم فيه الخبرة وتتسع فيه المنافع.

وفي مصر أمثلةٌ لافتةٌ في هذا الباب، حيث اشتهرت بعض القرى أو المناطق بنشاطٍ واحدٍ أو نشاطٍ غالبٍ يلائم بيئتها ومواردها وخبرة أهلها، حتى أصبح ذلك النشاط عنوانًا عليها ومصدرًا ثابتًا لتميزها. ومن هذه النماذج قرية حصة شبشير بمحافظة الغربية، التي اشتهرت بتربية النحل وإنتاج العسل حتى صار ذلك النشاط علامةً بارزةً عليها ومصدرًا مهمًا لرزق عددٍ كبيرٍ من أهلها.

غير أن العبرة الأهم هنا ليست في مجرد شهرة القرية بالعسل، ولا في البحث عن اسم أول من بدأ هذا النشاط فيها، إذ لا يوجد فيما بين أيدينا من المصادر المتاحة توثيقٌ تاريخيٌّ واضحٌ وحاسمٌ يبين على وجه الدقة كيف بدأ هذا النشاط أول مرة، ولا من هو الشخص الأول الذي أطلقه فيها، وإنما العبرة الكبرى في القاعدة العملية التي تكشفها هذه التجربة: أن النشاط الاقتصادي الملائم قد يبدأ نواةً صغيرة، ثم تتسع دائرته بالتدريج، وتترابط حلقاته، وتتراكم خبراته، حتى يتحول من عملٍ محدودٍ إلى هوية قريةٍ كاملة.

وهذه الفكرة بالذات هي التي ينبغي أن تستوقف أصحاب القرار في ولايات السودان وقراه؛ لأن المطلوب ليس أن نتحسر على غياب التوثيق التاريخي الدقيق لبدايات بعض التجارب، بل أن نفهم كيف يمكن صناعة بداياتٍ جديدةٍ في قرانا نحن، بوعيٍ وتخطيطٍ وتقديرٍ صحيحٍ للموارد والفرص.

ومن هنا ينبثق درسٌ بالغ الأهمية لولايات السودان وقراه: ليس مطلوبًا أن ننتظر حتى تنصلح كل الظروف العامة إصلاحًا كاملًا قبل أن نبدأ، وإن كان صلاح البيئة العامة هو الأصل الأكمل والأفضل، وإنما المطلوب كذلك أن تنظر كل ولايةٍ في قراها نظرةً علميةً موضوعيةً عملية، فتدرس موارد كل قرية، وطبيعة أرضها، ومائها، ومناخها، وموقعها، وقربها من الطرق والأسواق، وخبرات أهلها، وما يمكن أن يصلح فيها من نشاطٍ دون تكلفٍ أو اصطناع.

ثم بعد ذلك يُختار النشاط الأليق والأقدر على النجاح، وتُؤسس له نواةٌ أولى مدروسة، ولو كانت محدودة، على أن تُدعم بالتدريب، والتنظيم، والمتابعة، والتمويل المنضبط، والتسويق، والربط بسلسلة قيمةٍ واضحة، حتى لا يبقى الأمر مجرد تجربةٍ مبعثرةٍ أو حماسةٍ عابرة.

فإذا نجحت هذه النواة، واتضح جدواها، أمكن أن تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا، وأن تدخل أسرٌ أخرى، وأن تنشأ حول النشاط أعمالٌ مساندة، وخدماتٌ مرتبطة، ومهاراتٌ متخصصة، حتى تتحول القرية مع الزمن من تجمعٍ سكانيٍّ ينتظر الإعانة إلى وحدةٍ إنتاجيةٍ متخصصةٍ لها شخصيتها الاقتصادية الواضحة.

وهذا التصور ليس مقصورًا على العسل وحده، بل يمكن أن يمتد إلى ما لا يحصى من المجالات بحسب اختلاف البيئات: فهناك قريةٌ قد تلائمها تربية النحل، وأخرى الألبان، وأخرى الدواجن، وأخرى الخضر، وأخرى الفاكهة، وأخرى التمور، وأخرى صناعة الأثاث أو الفخار أو النسيج أو الجلود أو الصناعات الغذائية أو الأعلاف أو التجفيف أو التعبئة أو النباتات الطبية والعطرية.

والمهم في كل ذلك ألا يُفرض النشاط على القرية فرضًا من خارج واقعها، بل يُستخرج منها استخراجًا، ويُبنى على مزيتها الحقيقية، لأن النشاط إذا جاء موافقًا للبيئة والموارد والعادات والخبرة كان أرسخ وأقدر على الاستمرار، وأبعد عن الفشل، وأسرع في إنتاج الأثر.
إن من أكبر أخطاء التفكير التنموي أن يُنظر إلى القرى على أنها وحداتٌ متشابهة، مع أن الحقيقة أن لكل قريةٍ شخصيتها ومواردها وقابلياتها.

وإذا أحسنا قراءة هذه الفروق، فإنها تتحول من مجرد تنوعٍ جغرافي إلى فرصٍ اقتصاديةٍ حقيقية. وهنا تظهر أهمية الإدارة الراشدة في الولايات: لا بوصفها جهةً توزع الوعود، بل بوصفها جهةً تشخص، وتوجه، وتنسق، وتزيل العوائق، وتدفع البدايات الصحيحة حتى تنمو.

فالوالي الناجح، ومعه الأجهزة الفنية والمجتمع المحلي، لا يكتفي بالنظر إلى القرية من زاوية حاجاتها الاستهلاكية، بل ينظر إليها أيضًا من زاوية ما يمكن أن تنتجه، وما يمكن أن تتميز فيه، وما النشاط الذي لو وُضعت له نواةٌ صحيحةٌ اليوم لأمكن أن يصير بعد سنواتٍ عمادًا لمعاش أهلها واستقرارهم.

وهنا يتأكد معنىً مهم ينبغي ألا يغيب: أن التخصص القروي لا يعني الانغلاق، ولا يعني أن يحبس أهل القرية أنفسهم في بابٍ واحدٍ حبسًا جامدًا، وإنما يعني أن يكون هناك محورٌ اقتصاديٌّ غالبٌ تتجمع حوله الخبرات والجهود والمهارات والاستثمارات الصغيرة، بحيث تتكون كتلةٌ إنتاجيةٌ قادرةٌ على الصمود والتطور. فالتشتت يبدد القوة، أما التركيز فيصنع التراكم، والتراكم يصنع الإتقان، والإتقان يصنع السمعة، والسمعة تفتح الأسواق. وبذلك يتحول النشاط الواحد من مجرد وسيلة رزقٍ فرديةٍ إلى رافعةٍ جماعيةٍ ترفع القرية كلها.

إن التجربة التي تشير إليها قريةٌ مثل حصة شبشير ليست مجرد قصةٍ محليةٍ عن قرية عسل، بل هي شاهدٌ على مبدأٍ تنمويٍّ عظيم: أن النهضة القروية قد تبدأ من نواةٍ صغيرة إذا وُضعت في موضعها الصحيح، ورُعيت رعايةً صحيحة، وأُحسن بناؤها وتوسيعها. وهذا هو ما تحتاجه قرانا في السودان اليوم: لا أحلامًا ضخمةً

منفصلةً عن الواقع، ولا استسلامًا لعجز البيئة العامة، وإنما رؤيةٌ عمليةٌ تقول لكل قرية: ابحثي عما يلائمك، وابني عليه، وابدئي منه، ثم وسعيه حتى يصير لك به اسمٌ، وسوقٌ، وخبرةٌ، واستقرار. فحين تُكتشف المزية المحلية، وتُرعى النواة الأولى، وتُدار بوعيٍ وجدية، فإن القرية لا تبقى هامشًا ينتظر الفرج، بل تصبح مركزًا منتجًا يصنع بعض فرجه بيده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى