
لم تكن الحرب، في تاريخ الشعوب، سوى امتحان قاسٍ لقدرة المجتمعات على البقاء. وفي السودان، حيث اشتدت النيران وتصدّعت الجغرافيا، لم تنكسر إرادة الإنتاج، بل أعادت ترتيب نفسها بهدوءٍ عنيد. هكذا يأتي ملتقى “صُنع في نهر النيل”، المقرر انعقاده بمدينة عطبرة أواخر هذا الشهر، بمشاركة أكثر من 320 شركة ومصنع، لا بوصفه معرضاً صناعياً عابراً، بل كبيان وطني مكتوب بلغة الاقتصاد الصامد.
هذا الملتقى لا يعرض منتجات فقط، بل يروي حكاية انتقال، وهجرة داخلية للصناعة من مناطق النزاع إلى مناطق الأمان، حيث اختارت المصانع أن تنجو بإنتاجها، وأن تحمل معها العمالة والخبرة والأمل. إنها هجرة لا تشبه هجرة الخوف، بل هجرة الإرادة؛ حين تقرر الآلات أن تواصل الدوران، وحين يصرّ العمّال على أن يكون لهم غدٌ رغم الركام.
تحوّلت ولاية نهر النيل، في صمت، إلى أكثر من ملاذ سكاني. صارت ملاذاً إنتاجياً، وعاصمة صناعية مؤقتة للسودان، استوعبت المصانع الوافدة، واحتضنت خطوط الإنتاج، وربطت الأمن بالعمل، والاستقرار بالتصنيع. لم تنتظر نهاية الحرب كي تبدأ التعافي، بل بدأت التعافي وهي في قلب العاصفة.
الرسالة الأبرز التي يحملها الملتقى واضحة كالشمس:
الحرب عطّلت الجغرافيا… لكنها لم توقف عجلة الإنتاج.
فالمصانع لم تتوقف، بل غيّرت مواقعها. لم تستسلم، بل تكيفت. وبدلاً من الصمت، اختارت أن تتكلم بلغة الحديد والإسمنت، بلغة السلع التي تصل الأسواق، والرواتب التي تعيل الأسر، والفرص التي تمنع الانهيار الكامل للنسيج الاجتماعي.
إن هذا الحدث الاقتصادي–الوطني يربط الصناعة بالأمن المجتمعي ربطاً مباشراً. فحيثما وُجد العمل، تراجع اليأس. وحيثما دارت عجلة الإنتاج، استعاد المجتمع شيئاً من توازنه. ومن هنا، يصبح الملتقى رسالة طمأنة مزدوجة:
طمأنة للداخل، بأن الاقتصاد السوداني ما زال حياً وقادراً على التكيّف.
وطمأنة للخارج، بأن الاستثمار في السودان ليس مقامرة، بل شراكة مع شعب يعرف كيف يصنع من الأزمات فرصاً.
ليس من المبالغة القول إن “صُنع في نهر النيل” هو شهادة ميلاد جديدة للصناعة السودانية في زمن الحرب. شهادة تقول إن الخراب ليس قدراً، وإن المصانع يمكن أن تولد من جديد، حتى وهي على تخوم الألم.
فمن قلب الحرب… تُولد الصناعة،
ومن رحم المعاناة… يتشكّل الأمل،
وتبقى عجلة الإنتاج دائرة، لتؤكد أن السودان، مهما اشتدت عليه الخطوب، لا يتوقف عن العمل ولا عن الحلم.





