
الانتهازي زول ربنا خلقو ومعاه خاصية نادرة جدا: يسبق الحدث، يسبق الموقف، ويطلع من الحكاية قبل ما الناس تفهم بدايتها. يقيف معاك، ضدك، جنبك، وفوقك، وكل دا وهو مبتسم. ما عنده قشة مرة، لا في الكلام ولا في المواقف ولا في المبادئ.
الانتهازي ما بتلقاه في الايام الهادية. دا زول يعيش على اللخبطة. أول ما الصورة تغبش، تلقاه ظهر. أول ما الناس تحتار، تلقاه فهم. وأول ما يسألوا من المسؤول، تلقاه واقف بعيد شوية يشرح ليهم المسؤولية المشتركة. كلامو ناعم، صوتو واطي، لكن خطواتو سريعة في الاتجاه الصح… بالنسبة ليه.
الزول دا ما بسرق بالطريقة القديمة. لا يشيل ولا يخطف. دا أسلوب ناس ما متعلمين اللعبة. الانتهازي شغلو أنظف. يلف، يميع، يشرح، ويقنعك انو السؤال ذاته غلط. ولو سألتو سؤال مباشر، يضحك ويقول ليك: انت مستعجل ليه؟ الامور دي بتتاخد بالعقل، مش بالعاطفة. والعقل هنا طبعا عقلو هو.
الانتهازي سياسي شامل. اليوم يسار نار، يتكلم عن العدالة وكأنو كتبها بيده. بكرة وسطي حكيم، يشرح ليك انو
التطرف مضر. بعدو معتدل لطيف، يوزع ابتسامات. ولو الجو قلب فجأة، تلقاه واقف في اقصى اليمين يدافع عن الاستقرار وكأنو مولود هناك. وانت؟ لو انتهى دورك، يطلعك من المشهد بهدوء شديد ويكتب عنك تقرير محترم يشرح انك كنت غير مناسب للمرحلة.
أكتر لعبة يتقنها هي لعبة التوصيف. الخطأ بقى اجتهاد. التخبط بقى مرونة. التناقض بقى تنوع آراء. الزول دا ما بيكذب، هو بس بغير المسميات. ولو واجهتو بالحقيقة المجردة، يقول ليك: انت بتبسط الامور زيادة عن اللزوم.
في الاجتماعات، الانتهازي نجم. يتكلم كتير، يستخدم كلمات كبيرة، ويطلع من القاعة وما في زول عارف اتفقوا على شنو. يعشق اللجان، يحب التقارير، ويهوى الدراسات الطويلة. كل حاجة بتأخر القرار وتبرد الحماس وتخلي الناس تقول: خلاص خليها.
ولو الكراسي اهتزت؟ ما تتوقع يهرب. دا محترف تغيير جلد. يطلع بتسجيل، ولا قصة ناقصة، ولا تسريب ذكي، ويقدم نفسو كمنقذ. يقول ليك: لولا انا، ما كنتوا عرفتوا الحاصل. كأنو الحريق دا بدا بدون شرارة.
الغريب انو حساس جدا للنقد، لكن جلدو تقيل في كل شي تاني. يتحمل اللعب على الحبال، يتحمل تغيير المواقف، يتحمل الصمت الطويل، لكن ما يتحمل سؤال بسيط: منو؟ عمل شنو؟ وليه؟
وطبعا ما شغال براهو. حوله دايما جوقة شغالة تبرر، تفسر، وتنادي بالصبر عشان المصلحة العامة. والمصلحة العامة دي كلمة سحرية، بتطلع بس لما الناس تسأل اسئلة مزعجة. ولو طول السؤال، يقولوا ليك: اصبروا شوية… يعني انسوا الموضوع.
السخرية هنا ما قلة ادب. دي طريقة دفاع. لأن اخطر حاجة في الانتهازي انو ما شكله خطر. مهذب، مبتسم، كلامو موزون. لكنو ما ببني، بيستهلك. ما بخدم فكرة، بيستخدمها. وما بسقط، لأنه اصلا ما واقف. ما عنده قشة مرة.
ويوم ما الموية تصفى، الناس حتفهم الحقيقة البسيطة: الانتهازي ما كان عبقري. كان بس شاطر في السباحة وسط العكورة. وساعتها، ما بنحتاج خطابات ولا توصيفات، بنحتاج سؤال واحد واضح… وما داير لف ولا دوران.





