الأخبارالسودان

منى أبوزيد تكتب:..هناك فرق .. ربع درجة..!

 منى أبوزيد تكتب:..هناك فرق .. ربع درجة..!

 

التفاصيل الصغيرة هي اللغة السرية التي يكتب بها الزمن أعظم القصص”.. الكاتبة..!

 

حكاية ملهمة رواها د. سليمان العلي – مدرب برامج إطلاق القدرات وتطوير الذات – تقول كان قائد قوات التحلف الدولي في حرب الخليج الثانية هو “هربرت نورمان شوارزسكوف”. وفي إحدى دورات القيادة التي كان يقدمها أخبرهم بأنه عندما كان وزيراً للدفاع ذهب لتفقد وزارة الدفاع البحرية وهناك وقف على متن بارجة ضخمة كان يسمع قائدها وهو يكرر الأوامر لقائد الدفة – طوال الوقت – قائلاً “ربع درجة لليمين”..!

بعد مرور ست ساعات وهم في عرض المحيط سأله شوارزسكوف عن مغزى تلك الجملة التي كان يرددها، فأخذه القائد إلى غرفة القيادة وأشار نحو شاشة الرادار وهو يخاطبه قائلاً “عندما بدأت أردد تلك الجملة كانت البارجة في هذا الاتجاه، والآن بعد مرور ست ساعات أصبحت في الاتجاه المعاكس”. ثم سأله “هل أحسست بأي حركة أو ميول أو اهتزاز في ثبات سطح البارجة”؟. فأجابه “لا”. عندها أخبره قائد البارجة بأنه كان يتعمد أن تكون الحركة بمقدار ربع درجة فقط حتى يتحقق التغيير المطلوب في الاتجاه رويداً رويداً دون أن يتأثر سطحها بأي اهتزاز..!

راوي الحكاية يقول إنها قد ألهمته لأنها تصلح لأن تكون قاعدة عامة من قواعد الحياة “أن نسعى إلى تحقيق التغيير المطلوب بمقدار ربع درجة لكل يوم . وأنا أيضاً أتذكر أحياناً تلك الحكاية وأبتسم لأنني أعرف أنني، مثل تلك البارجة، لا أحتاج إلى زلازل داخلية حتى أغيّر مساري. أحتاج فقط إلى “ربع درجة” واحدة، صغيرة، صامتة، متكررة..!

في لحظات كثيرة من حياتي، كنت أظن أن التغيير يعني أن أستيقظ يوماً فأمزق أوراق الماضي دفعة واحدة. لكنني تعلمت – بعد خسائر وتجارب – أن الأوراق لا تُحرق هكذا. بعضها يحترق ببطء حين أتخذ قرارات صغيرة، أن أسامح مرة، أن أصمت عن جدال، أن أدخل في عزلة اختيارية لبضع ساعات. هذه التفاصيل لا تُحدث فرقاً في ذات اليوم، لكنها بعد مرور ما يلزم من الوقت تصبح من ركائز ومتون الحياة..!

أحياناً كنت ألوم نفسي لأنني لم أحقق ما أريد سريعاً، ولكنني أدركت، بمرور الوقت واتساع رقاع التجارب، أن الصبر على ربع الدرجة أهم من الركض في الاتجاه الخطأ. البحر لا يُكافئ المستعجلين، بل يكافئ الذين يثقون بالبوصلة، لذا تعلمت أن أثق ببوصلتي الداخلية، وإن تأخرت..!

أحياناً يكون ربع الدرجة هو كلمة شكراً، وأحياناِ يكون كلمة لا هادئة في وجه ما يستنزفني، وأحياناً يكون مجرد التزام صغير مع نفسي التي أُذكِّرك وإياها بأن لا تحمل روحك فوق طاقتها بالقرارات العاصفة، وبأنك لا تحتاج إلى أن تنقلب حياتك رأساً على عقب لتعرف أنك في الطريق الصحيح. يكفي أن تسأل نفسك مساء، ما ربع الدرجة الذي أضفته اليوم إلى مساري..!

الحياة ليست ماراثوناً، بل رحلة طويلة، وإذا كان البحر يطيع الانحناءة الصغيرة في الدفة، فالنفس أيضاً تطيع اللمسات الهادئة. بعد ست ساعات، أو ستة أشهر، أو ست سنوات، سوف تنظر يوماً ما حولك، لتكتشف أن بعض وجهاتك قد تغيرت تماماً!.

 

 

munaabuzaid2@gmail.com

 

المصدر :  صحيفة الكرامة

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى