

في هذا المشهد، تتقدّم القيادة على الحدث، ويعلو المعنى على الحركة. مصافحة قصيرة، لكنها مكتملة الدلالة؛ سلامٌ لا يُقال بلسان، بل يُثبت بالفعل. يلتقي عبد الفتاح البرهان بصفته القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، مع أمير عبد المنعم بصفته مدير عام قوات الشرطة. هنا لا أسماء ولا صور، بل صفات ومسؤوليات تلتقي عند فكرة واحدة: الدولة.
هذا النوع من المصافحة ليس بروتوكولًا، بل سلوك قيادي رصين. اليد باليد تعني التقاء الأدوار، واليد الثانية فوقهما تعني تثبيت العهد. إنها مصافحة تقول إن القرار يمضي مطمئنًا، لأن السند حاضر؛ وإن السند ثابت، لأنه يعرف حدوده. لا تنازع ولا استعراض، بل انسجام واعٍ يحفظ ميزان السلطة والقانون.
كانت لحظة وداع. والوداع، في منطق الدول، امتحان ثقة لا يقبل الارتباك. قيلت العبارة بهدوء الرجال الذين يعرفون مواقعهم: أرمِ قدّام… وراي مؤمَّن. جملة قصيرة تختصر فلسفة الحكم الرشيد: تقدّم القرار بثقة، وثبات الحراسة بوعي، واحترام متبادل يمنع التداخل ويصون الهيبة.
في هذه المصافحة تتجلى الوطنية في صورتها العملية.
الوطنية هنا ليست خطابًا ولا شعارًا، بل سلوكًا منضبطًا يظهر حين يقل الكلام. قيادة تعرف أن الإيماءة الصحيحة في اللحظة الصحيحة أبلغ من بيان طويل، وأن الدولة حين تحترم تفاصيلها الصغيرة، تكون أقدر على حماية معانيها الكبيرة.
هذه اللحظة قالت للمواطن إن الدولة لا تتخاصم مع نفسها، وإن مؤسساتها تتعامل بعقل واحد وقلب واحد. وقالت لمنتسبيها إن الولاء ليس انحيازًا، بل التزامًا؛ وإن الانتماء ليس اصطفافًا، بل ثباتًا على العهد. وقالت للوطن إن قوته في هدوئه، وإن طمأنينته تُصنع من انسجام الأدوار لا من ارتفاع الأصوات.
هكذا تكون المصافحة حين تكون قيادة.
وهكذا يكون السلام حين يكون دولة.
عهدٌ يُجدَّد بصمت… ووطنٌ يمضي مطمئنًا





