
لماذا تهتم المستشفيات الخاصة بهيكلها الخارجي وأثاثاتها الفاخرة، وتهمل اختيار أهم مورد فيها، وهو عنوانها الحقيقي: **الكادر البشري**؟
فموظف الاستقبال، على سبيل المثال، يبدو في كثير من الأحيان بعيدًا كل البعد عن طبيعة وظيفته ودورها. يقضي معظم وقته على هاتفه، وحين يرفع رأسه للرد على استفسار مريض أو مرافق، يكون غير مبالٍ وغير مدرك لما يُقال له، وكأن الأمر لا يعنيه ولا يرغب في تقديم أي مساعدة.
قادتني ظروف مرضية إلى مستشفى الرومي – وحدة الأسنان، وهو مستشفى مشيّد بشكل هندسي جميل، ومبنى متكامل لتقديم الخدمة للمرضى. ورغم ارتفاع تكلفة العلاج، إلا أن موظفي الاستقبال كانوا غير مبالين، وغير مدركين لأساس وظيفتهم الحقيقية، والتي تبدأ أولًا بخدمة المرضى ومرافقيهم.
**والمشكلة لا تكمن فقط في سوء اختيار موظفي الاستقبال، بل في غياب التدريب والمتابعة والمحاسبة.** فوظيفة الاستقبال ليست عملًا ثانويًا أو مؤقتًا، بل وظيفة إنسانية بالدرجة الأولى، تتطلب مهارات تواصل عالية، وقدرة على التعامل مع المرضى في لحظات ضعفهم وألمهم. فالمريض لا يدخل المستشفى بكامل قوته النفسية، بل محمّل بالخوف والقلق، وأبسط كلمة أو إشارة اهتمام قد تُحدث فرقًا كبيرًا في تجربته العلاجية.
كيف يعجز المديرون الإداريون عن اختيار موظفين مؤهلين لأداء مهامهم، بدل هذا التخبط والتعامل السيئ؟ كيف يصبح الهاتف أهم من شخص متألم يقف أمامك طالبًا المساعدة؟
كيف يتم اختيار موظفين للعمل في مستشفيات، أساسها الرحمة والمساعدة؟ هذه إحدى مشكلات السودان عمومًا؛ الاهتمام بالشكل الخارجي والبهرجة، مقابل إهمال الهيكل الإداري الذي يمثل الواجهة الحقيقية لهذه المؤسسات.
ومع عودة العاصمة إلى الخرطوم، إذا لم تستعد هذه المستشفيات لاستقبال القادمين باحترافية ومهنية، فليس بعيدًا أن تعود الفوضى والهرجلة إلى المؤسسات الخدمية، خاصة الصحية منها.
لكل كتاب عنوان، وموظفو الاستقبال هم عنوان كل مؤسسة صحية. فاختاروا موظفين يمثلون المهنة لا الشكل. لقد انبهرنا بالمبنى والأثاث، لكن تعامل موظفي الاستقبال كدر صفونا، ولم يشفع اعتذار الطبيب لسوء المعاملة التي بدأ بها موظف الاستقبال.
كانت إحدى المرافقات تدفع والدتها المتألمة على كرسي متحرك، تبحث عن غرفة الأشعة وعيادة الطبيب، بينما موظف الاستقبال يقف غير مبالٍ، وغير راغب في تقديم أي مساعدة.
ألم نتعلم من تجارب المستشفيات خارج السودان؟ فمصر، على سبيل المثال، تهتم بالمريض منذ لحظة دخوله، ويُحاط بالخدمة المريحة والتعامل الإنساني الجيد. وهذا تحديدًا ما تفتقده كثير من المستشفيات الخاصة في الخرطوم، عزيزي وعزيزتي القارئ/ة.





