مقالات

محمد عثمان النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (4 من 13) الزراعة الذكية وإحياء الإنتاج السوداني

محمد عثمان النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (4 من 13) الزراعة الذكية وإحياء الإنتاج السوداني

 

 

لم تعد الزراعة في العالم الحديث مجرد محراث وبذور ومطر، بل أصبحت علم بيانات قبل أن تكون علم تربة، وصياغة قرارات دقيقة قبل أن تكون مجهودًا عضليًا. والزراعة الذكية ليست ترفًا تقنيًا، بل ثورة هادئة تعيد ترتيب مفاهيم الإنتاج، وتمنح الدول التي تعتمد عليها قوة اقتصادية لم تكن متاحة من قبل. والسودان — بما لديه من أرض واسعة ومياه وتنوع مناخي — يمكن أن يكون أحد أكبر المستفيدين من هذه الثورة إذا أحسن إدارتها، وحرر بيئته الإنتاجية، ووصلها بالعالم الرقمي.

فالزراعة التقليدية، رغم عراقتها، تقوم على التخمين: تخمين كمية المياه، وتخمين توقيت الزراعة، وتخمين توقّع الآفات، وتخمين مواعيد الحصاد. أما الزراعة الذكية فتقوم على اليقين: يقين البيانات، ويقين القياس، ويقين التوقّع. ومن خلال الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار البسيطة، يمكن للمزارع أن يرى مزرعته كما لم يرها من قبل: يرى رطوبة التربة، ومستوى الإجهاد المائي، وأماكن ضعف النبات، وانتشار الآفات قبل أن تتسع، بل ويرى الحصاد المتوقع قبل أن يكتمل نموه.

وحين تتحول الزراعة إلى عملية يقودها الذكاء الاصطناعي، تتغير قواعد اللعبة. فالأقمار الصناعية ترسل صورًا دقيقة، والخوارزميات تحلل هذه الصور وتقترح خطة ري محسوبة، والطائرات المسيّرة تنفّذ الرشّ بدقة، وأجهزة الاستشعار تخبرك متى تعطي السماد ومتى توقفه. النتيجة: إنتاج أكثر، وتكلفة أقل، وهدر أقل، ومخاطر أقل، وربحية أعلى. وكل هذه التقنيات مستخدمة عالميًا اليوم، من الولايات المتحدة إلى الهند، ولم تعد علمًا نظريًا أو وعودًا مستقبلية.

وفي السودان، يمكن للزراعة الذكية أن تحدث الفرق الذي لم تستطع المشاريع التقليدية تحقيقه لسنوات طويلة. فمناطق الري الكبرى — كالجزيرة والرهد وحلفا — يمكن أن تتحول إلى منظومات رقمية مترابطة: حساسات في الحقول، وطائرات مسيّرة تراقب المحاصيل، ومنصات تحليل بيانات ترسل للمزارع “خطة يومية” تجعل الري والتسميد أقرب إلى العلم منه إلى التجربة. وحتى المناطق المطرية يمكن أن تستفيد من منصات التنبؤ بالطقس، ومن الخرائط الرقمية التي تحدد أفضل مسارات الزراعة.

ولا تتوقف الفائدة عند كبار المزارعين. فصاحب الخمسة أفدنة في قرية نائية يمكنه اليوم أن يستخدم هاتفه لقياس حالة محصوله، وأن يحصل على تقرير يومي يخبره بما يجب أن يفعله. وتطبيقات بسيطة يمكن أن تحسب له احتياجات المياه والسماد، وتحدّد له تاريخ الحصاد المتوقع، بل وتقترح عليه المحصول الأكثر ربحية هذا الموسم بناءً على أسعار الأسواق العالمية. وهكذا تصبح المعرفة الزراعية في متناول الجميع، لا حكرًا على أصحاب الخبرة الطويلة.

وفي ظل هذه الثورة، تظهر شركات صغيرة تقود التغيير: شركات لتحليل صور الأقمار الصناعية، وشركات لقراءة بيانات الحساسات، وشركات تؤجر الطائرات المسيّرة، ومنصات تربط المزارع بالتاجر مباشرة دون وسطاء، وخدمات لشراء المدخلات إلكترونيًا، وتتبع الشحنات من الحقل إلى السوق. هذه الشركات، حين تعمل في بيئة إنتاجية محررة ورقمية، تصنع اقتصادًا زراعيًا جديدًا قادرًا على خلق الوظائف وتحريك الأسواق.

والزراعة الذكية لا تعني تعقيدًا، بل تبسيطًا. فهي تجعل المزارع يعرف أكثر، ويخسر أقل، ويكسب أكثر. وتقلل من الهدر المائي، وتعالج ضعف الإنتاجية، وتطيل عمر التربة، وتحسن جودة المحصول، وتخفض تكلفة السماد والمبيد. وهي — قبل كل شيء — لا تلغي دور المزارع التقليدي، بل تدعمه بالمعرفة، وتضيف إلى خبرته أدوات تجعل عمله أكثر جدوى وربحية.

ومع توسع هذا النهج، تستفيد الدولة نفسها: بيانات دقيقة عن حجم الإنتاج، وتوقعات لحركة الأسواق، وقدرة على التخطيط للتصدير، وإدارة للمخزون الاستراتيجي، وتحسين لسلاسل القيمة. وحين تتحول الزراعة إلى قطاع رقمي، يصبح التصدير أسهل، والتعاقدات أوضح، والتسويق أذكى، والربح أعلى.

إن مستقبل الزراعة لم يعد في يد من يملك أكبر مساحة، بل في يد من يملك أكبر قدر من البيانات وأدوات التحليل. والسودان قادر — إذا تحررت بيئته الإنتاجية، وتماسكت دولته الرقمية — أن يكون بلدًا زراعيًا حديثًا يقود سوقًا إقليمية لا يقل حجمها عن عشرات المليارات.

وهذا المقال يأتي لبنة رابعة في سلسلة من ثلاثة عشر مقالًا نعيد فيها تصور العلاقة بين التقنية والإنتاج، ونضع الأساس لنهضة زراعية جديدة تعيد إحياء دور السودان في الغذاء الإقليمي والدولي، وتخلق آلاف الشركات الصغيرة، ومئات الآلاف من الوظائف، وفرصًا لا حد لها في اقتصاد زراعي رقمي متجدد.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى