مقالات

محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (2 من 13) الدولة الرقمية وبناء منصة خدمات موحدة

محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (2 من 13) الدولة الرقمية وبناء منصة خدمات موحدة

 

 

في عالم تتسارع فيه المتغيرات، لم تعد الدولة التي تعتمد على الورق والصفوف والأختام قادرة على مواكبة احتياجات مواطنيها، ولا على جذب المستثمرين، ولا حتى على ضبط مواردها الداخلية. فالدولة الرقمية ليست زينة تقنية، ولا بوابة إلكترونية تُضاف إلى موقع حكومي، بل هي إعادة صياغة شاملة لوظيفة الدولة: كيف تُدار؟ كيف تقدّم الخدمة؟ كيف تحفظ البيانات؟ وكيف تتحول من جهاز مترهل إلى جهاز ذكي يعمل بسرعة ودقة وشفافية.

الدولة الرقمية باختصار هي دولة «حاضرة بلا حضور»؛ دولة يستطيع المواطن أن ينجز كل معاملاته دون أن يقف في أي صف، ودون أن يحمل ورقة واحدة، ودون أن يُسأل سؤالًا تملكه قاعدة البيانات أصلًا. والانتقال إلى هذا النموذج لا يرفع كفاءة الخدمة فحسب، بل يوفّر مليارات كانت تتبدد في الهدر، والازدواج، والرشاوى الصغيرة، والفوضى الورقية التي جعلت مؤسسات الدولة عبئًا بدل أن تكون أداة لخدمة المواطن ورعاية مصالحه.

ولكي تُبنى الدولة الرقمية بناءً صحيحًا، لا بد من منصة خدمات موحدة تكون بمثابة العقل المركزي للحكومة، منصة واحدة يدخل إليها المواطن عبر هوية رقمية، فيجد كل خدمات الدولة بلا استثناء: الضرائب، الجمارك، السجل المدني، الجوازات، الأراضي، التعليم، الصحة، الشرطة، القضاء، الكهرباء، المياه… كلها مترابطة، تعمل كجسم واحد لا كأجهزة متنافرة. هذه المنصة ليست واجهة إلكترونية، بل بنية متكاملة تنقل الحكومة من الفوضى إلى الانسجام، ومن التكرار إلى الكفاءة، ومن العشوائية إلى العمل المنظم المبني على البيانات.

ولكي تعمل هذه المنصة كما ينبغي، لا بد من بناء هوية رقمية حقيقية تكون مفتاح الدخول إلى كل خدمات الدولة، وتمنع التزوير، وتغلق أبواب الازدواج، وتكشف المعاملات الوهمية. ثم لا بد من سجل وطني موحد للبيانات يشكّل ذاكرة الدولة الحديثة، ويجمع معلومات المواطن من الميلاد إلى الوفاة في قاعدة واحدة متصلة، فلا تطلب جهة حكومية مستندًا موجودًا أصلًا لدى جهة أخرى، ولا يعاد إدخال نفس البيانات عشر مرات. ويمكن القول إن السجل الموحد هو العمود الفقري الذي يستند إليه كل شيء.

ولا يمكن أن تقوم الدولة الرقمية دون بنية تقنية صلبة تحمل هذا البناء كله: شبكة اتصالات قوية، وإنترنت مستقر عالي السعة، ومراكز بيانات وطنية آمنة، وخوادم وقواعد بيانات قادرة على تحمّل العبء التشغيلي. فهذه هي الأعمدة الخفية التي تُمكّن المنظومة من العمل، ويستحيل تشغيل منصة خدمات موحدة أو سجل وطني أو هوية رقمية من غير البيئة التحتية التي تمنحها القدرة على العمل والاستمرارية.

ثم تأتي التشريعات الصارمة التي تنظم حماية البيانات، والتوقيع الإلكتروني، والأرشفة الرقمية، وتبادل المعلومات بين الجهات. فالتقنية بلا قانون تصبح فوضى، والقانون بلا تقنية يصبح ورقًا بلا قيمة. ثم يأتي الدفع الإلكتروني؛ إذ لا معنى لدولة رقمية تتعامل بالنقد، فالكاش هو أكبر أبواب التسرّب والفساد. والتحصيل الرقمي الإلزامي لكل معاملات الدولة لا يرفع الإيرادات فقط، بل يعيد الانضباط المالي، ويغلق الثغرات، ويكشف حركة الأموال بدقة.

ومع أهمية هذه الأسس، فإنها لا تعمل في بيئة اقتصادية مختلة. فالرقمنة تحتاج اقتصادًا محررًا يسمح بتدفق الموارد وتنافس الشركات وتحرك رؤوس الأموال دون قيود مصطنعة. ومن دون تحرير البيئة الكلية وتوحيد سعر الصرف وإزالة التشوهات التي تخنق الاستثمار، يصبح التحول الرقمي — مهما بدا متقدمًا — كمَن ينثر زريعة السمك في حوض لم يُملأ بالماء بعد؛ خطوات صحيحة في ظاهرها، لكنها من غير البيئة الاقتصادية الحاضنة التي تمنحها الحياة والنمو والنتائج. فالرقمنة ليست طبقة تجميلية فوق اقتصاد مختل، بل منظومة لا تعمل إلا إذا كان الأساس الاقتصادي نفسه صحيًا وسليمًا.

وهذا كله مهدد بالانهيار إن غاب الأمن السيبراني. فالدولة الرقمية تحتاج إلى حماية بقدر حاجتها إلى الكهرباء والماء: مركز وطني للاستجابة للهجمات، منظومة تشفير، وسيادة رقمية تضمن أن تظل مفاتيح النظام داخل البلاد لا في أيادٍ خارجية.

وما إن تُبنى هذه الأسس، حتى يبدأ التحول الحقيقي: تختفي الصفوف، تقلّ الكلفة التشغيلية، ترتفع كفاءة الخدمة، تُغلق أبواب الرشوة الصغيرة، تتضاعف الشفافية، وتُصبح الدولة قابلة للقياس والمحاسبة. والأهم من ذلك أن القطاع الخاص يبدأ تلقائيًا في الولادة الجديدة: شركات صغيرة تبني تطبيقات للدفع، وأخرى لحجز المواعيد، وثالثة لإدارة المدارس، ورابعة لتتبع الشاحنات، وخامسة لجمع البيانات الميدانية، وسادسة للأرشفة الرقمية. عشرات بل مئات الشركات التي تتلاقى في بيئة رقمية واحدة تشكّل اقتصادًا جديدًا، حيًا، متنوعًا، يخلق الوظائف، ويجذب الاستثمار، ويرفع الناتج القومي.

الدولة الرقمية ليست رفاهية ولا مشروعًا تقنيًا، بل مشروع دولة حديثة تريد أن تخرج من أسر الفوضى والورق والازدواج إلى فضاء الكفاءة والشفافية والانضباط. وهي المدخل الطبيعي لأي نهضة اقتصادية، لأنها تمنح الدولة القدرة على التخطيط، وتمنح المواطن الثقة، وتمنح المستثمر بيئة يفهمها ويتعامل معها دون خوف من العشوائية.

وهذا المقال يأتي ضمن سلسلة من ثلاثة عشر مقالًا نرسم فيها طريقًا عمليًا لكيف يمكن للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل مفاصل الدولة والمجتمع والاقتصاد، تمهيدًا لنهضة سودانية تعتمد على المعرفة والتنظيم والرؤية لا على المصادفة والجهد الفردي.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى