مقالات

محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (13 من 13) رؤية السودان الرقمية 2035

محمد عثمان النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: (13 من 13) رؤية السودان الرقمية 2035

 

 

حين تنظر الأمم إلى مستقبلها، لا تبحث عن مساحات جغرافية أوسع، ولا عن ثروات خام مدفونة، ولا عن جيوش أكبر، بل تبحث أولًا عن النظام الذي يجعل كل ذلك ذا قيمة. فالدول التي نهضت لم تكن أغنى منا أرضًا ولا أوسع منا موارد، لكنها امتلكت القدرة على تحويل الإنسان إلى قوة منتجة، والمعلومة إلى قرار، والتقنية إلى أداة تضاعف كل جهد. واليوم يقف السودان أمام فرصة تاريخية يمكن أن تغيّر مساره كله: فرصة الانتقال المتدرّج من إدارة مثقلة بإرث الورق والتكرار والبطء، إلى دولة رقمية حديثة تستند إلى المعرفة والذكاء والتنظيم.

ورؤية السودان الرقمية 2035 ليست حلمًا بعيدًا ولا مثالية نظرية، بل مسار واقعي إذا توفرت الإرادة واتضحت الاتجاهات وتحرر الأداء العام من ممارسات الماضي التي أثقلت المؤسسات وأرهقت الاقتصاد وقيّدت الخدمات. فالعالم اليوم لا ينتظر من يتردد، ولا يتباطأ من أجل من يتباطأ، ومن أراد أن يحجز مكانه في المستقبل فعليه أن يدخل إليه من بوابته الطبيعية: بوابة الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

وتبدأ الرؤية الرقمية من مبدأ محوري: بناء دولة تعمل بمنظومة واحدة. دولة لا تُكرر بياناتها عشر مرات، ولا تطلب من المواطن وثيقة موجودة أصلًا لدى جهة أخرى، ولا تعيد الخطأ ذاته في كل مؤسسة. دولة تُقيم هويتها الرقمية، ومنصتها الموحدة، وسجلها الوطني، ونظامها الضريبي والجمركي الرقمي، وتربط مؤسساتها في نسيج واحد متماسك يحدّ من الفوضى، ويضيّق مساحات الفساد، ويقلل الهدر، ويجعل القرار مبنيًا على الصورة الكاملة لا على التجزئة والصدف.

ثم تأتي الاقتصادات الجديدة التي تصنعها الرقمنة: اقتصاد الشركات الصغيرة، الاقتصاد الإبداعي، اقتصاد الخدمات المصغّرة، اقتصاد البيانات، الاقتصاد الزراعي الذكي، والصناعة 4.0. هذه القطاعات ليست مجرد تطوير للتقليدي، بل هي بناء جديد بالكامل يجعل السودان بلد مليون شركة صغيرة، وبلد مهارات متقدمة، وبلد يصدّر الخدمات كما يصدّر السلع، ويخلق فرصًا عابرة للجغرافيا لا تحدّها الحدود.

وتقوم رؤية 2035 على فهم عميق لطبيعة العصر: التكنولوجيا ليست أجهزة بل منظومات؛ وليست برامج بل طريقة تفكير؛ وليست رفاهية بل ضرورة لدولة تريد أن تتقدم. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحسين الصحة والتعليم والقضاء والإنتاج الزراعي والصناعة والنقل والطاقة، لكنه لن يُحدث أثرًا ما لم تتحرر المؤسسات من إرث الورق، وما لم يُبن جهاز حكومي حديث يقوم على البيانات، ويتخلص من البيروقراطية التي تستهلك الوقت وتبدد الجهد.

وفي قلب الرؤية يقف الإنسان السوداني، لا بوصفه متلقيًا للخدمة بل شريكًا في إنتاجها. فالمواهب السودانية — داخل البلاد وخارجها — قادرة على أن تُسهم في صياغة هذا المستقبل إذا فُتحت لها المنصات المناسبة، وإذا تحرر الأداء العام من القيود التي كبّلت الإبداع وضيّقت الفرص. والشباب السوداني الذي أثبت قدرته أينما وجد، قادر على قيادة هذا التحول إذا وجد البيئة التي تحترم موهبته.

وتتطلب رؤية السودان الرقمية 2035 جهازًا وطنيًا للحوكمة الرقمية يضم هيئات واضحة التخصص: هيئة للتحول الرقمي، وهيئة للأمن السيبراني، وهيئة للبيانات والذكاء الاصطناعي. وتعمل هذه الهيئات بروح واحدة ومعايير عالمية، لا بعقلية المكاتب القديمة. كما تتطلب بنية تحتية رقمية قوية، وإنترنتًا مستقرًا، ونظام دفع إلكتروني شامل، وتوقيعًا إلكترونيًا معتمدًا، وقوانين حديثة لحماية البيانات، وسياسة واضحة للسيادة الرقمية.

ومع تحقق هذه الرؤية يبدأ السودان في تحويل موارده إلى قوة فعلية: فالمياه تصبح زراعة ذكية منتجة، والشمس تتحول إلى طاقة نظيفة تشغل المصانع الرقمية، والأراضي تتحول إلى إنتاج مُدار بالبيانات لا بالمزاج، والمواهب تتحول إلى شركات ناشئة، والشباب يتحول إلى قوة اقتصادية فاعلة، وتتحول الدولة من جهاز مرهق إلى منظومة ذكية سريعة شفافة تجذب الاستثمار وتخدم المواطن بكفاءة.

إن رؤية السودان الرقمية 2035 ليست وثيقة تكتب، بل مسار يبدأ من اليوم. يبدأ بقرار يُنهي فوضى الورق، ويؤسس منصة موحدة لا مئة منصة، ويحوّل كل خدمة حكومية إلى خدمة رقمية، ويعتمد البيانات أساسًا للإدارة لا الحدس ولا الصدفة. يبدأ من فهم بسيط: أن الزمن لا ينتظر، وأن التردد أثقل من الخطأ، وأن العالم يتغير سواء شاركنا في التغيير أو وقفنا على الهامش.

وبهذا المقال نختتم سلسلة امتدت لثلاثة عشر مقالًا وضعنا فيها أساس الرؤية وشرحنا مفاصلها وربطنا التقنية بالزراعة والصناعة والصحة والتعليم والقضاء والحكومة والمدن والسوق والمستقبل. وهذه السلسلة ليست نهاية، بل بداية يمكن تطويرها إلى كتاب شامل أو رؤية عملية للإصلاح التقني أو برنامج وطني ينهض بالأداء العام ويقود السودان من زمن العشوائية إلى زمن المعرفة والتنظيم والذكاء.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى