مقالات

 محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..من الخيل إلى الفضاء والذكاء…وحين يُنسى الميزان

 محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..من الخيل إلى الفضاء والذكاء…وحين يُنسى الميزان

 

ليست النهضة حدثًا منفصلًا عن مسار الإنسان، ولا انطلاقة بلا جذور، بل هي امتداد لسنّة كونية كتبها الله في حركة الوجود، وأشار إليها القرآن مبكرًا حين جعل العلم والعمل والتسخير والتطور جزءًا من طبيعة البشر، كما في قوله تعالى:
﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾؛
وهي آية تفتح بابًا واسعًا لفهم أن الإنسان يتقدم كلما ازداد علمًا واتصالًا بالسنن، ويتخلف كلما أغلق على نفسه أبواب المعرفة. وفي سياق هذه الرؤية تأتي الآية الجامعة من سورة النحل:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾،

وهي — من حيث الدلالة العامة — لا تقف عند تعداد وسائل نقلٍ بعينها، بل تشير إلى مبدأ ممتدّ في حركة العمران الإنساني، يتمثل في انتقال الإنسان من وسيلة إلى أخرى، ومن طورٍ إلى طور، مع انفتاح باب الخلق والمعرفة على ما لم يكن معلومًا من قبل.
فالخيل والبغال والحمير لم تُذكر لمجرد كونها أدوات نقل في الماضي، بل لأنها مثّلت البنية التحتية للحياة الإنسانية لقرون طويلة: الخيل للقوة والمناورات والقتال والزينة وحراسة المدن، والبغال للطرقات الجبلية والوعرة، والحمير للأحمال والتنقل اليومي. وما يلفت النظر أن هذا الدور لم ينتهِ؛ إذ يُقدَّر أن ما بين 10% إلى 12% من سكان الأرض — أي نحو 800 مليون إنسان — لا يزالون يعتمدون عليها في معيشتهم، بينما تُستخدم الخيل في أكثر من سبعين دولة في مجالات الأمن والمراسم والعروض العسكرية، وتظل جزءًا من رموز السيادة في قصور الملوك. وبذلك تصبح الآية وصفًا لواقعٍ ممتدّ، لا صفحة تاريخ طُويت.

ثم تأتي الجملة الجامعة في الآية: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهي — دون الدخول في تحديد مصاديق بعينها — إعلان مفتوح بأن باب المعرفة والخلق لا يُغلق، وأن ما يدركه الإنسان في زمن ليس نهاية المطاف، بل بداية لما بعده. فكل تطور تقني أو علمي لا يُغلق دائرة الاكتشاف، بل يوسّعها، ويشير إلى أن أفق “ما لا نعلم” سيظل قائمًا ما دام الإنسان في رحلة العمران.
ومن هذا الفهم يمكن إدراك أن امتداد الوسائل من الخيل إلى الآلة، ومن الآلة إلى الفضاء، ومن الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي، ليس خروجًا عن سنّة الله، ولا قطيعة مع الوحي، بل تجلٍّ من تجليات التسخير، كما قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾.

غير أن هذا الامتداد — وإن كان في أصله نعمة — يظل مشروطًا بالميزان الذي يضبطه، وبالغاية التي يُسخَّر لها.
فالقرآن، وهو يفتح أمام الإنسان آفاق العلم والاكتشاف، لا يفصل ذلك عن التحذير من الغرور ونسيان العبودية. فالعلم قوة محايدة في ذاته؛ يرفع الإنسان إذا اقترن بالبصيرة والتواضع، ويهوي به إذا تحوّل إلى أداة استعلاء واستغناء. وكلما اتسعت قدرة الإنسان، ازداد امتحانه، لا لأن العلم خطر، بل لأن النفس إذا تُركت بلا ميزان أفسدت ما بين يديها.
وهذا المعنى يتكرر في التاريخ القديم والحديث على السواء. فحين تبلغ الأمم ذروة قوتها، يتسلل إليها وهم السيطرة المطلقة. وفي العصر الحديث، لم يَخلُ خطاب القوة من عبارات تعكس هذا الشعور؛ ففي رسالته الأسبوعية من البيت الأبيض بتاريخ 9 يناير 2016 قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما:

«America can do anything.»
وقال المرشح الرئاسي مايكل دوكاكيس في خطابه أمام مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1988:
«There are no limits to what America can do.»
وهي تعبيرات — بصرف النظر عن سياقها السياسي — تعكس نزعة إنسانية متكررة، وصفها القرآن قبل قرون بقوله تعالى:
﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾.

 

وعندما يتحوّل العلم من وسيلة إلى غاية، ومن نعمة إلى مصدر اغترار، تبدأ الحضارة في فقدان توازنها. فالقوة التي لم تُضبط بالمسؤولية تتحول إلى عبء، والعقل الذي انفصل عن المعنى يصبح أداة هدم بدل أن يكون وسيلة بناء. وليس الهلاك هنا حتميًا بسبب التقدم ذاته، بل بسبب غياب الميزان الذي يحفظ للتقدم معناه وحدوده.
وهكذا، عند بلوغ الحضارة ذروة زخرفها، وحين يتوهم الإنسان أن ما بين يديه كافٍ لحمايته من السقوط، يأتي التذكير الإلهي الذي يُعيد للأشياء أحجامها، كما قال تعالى:
﴿حَتّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.

فالتاريخ لا يُغلق أبوابه عند الخيل، ولا عند الفضاء، ولا عند الذكاء الاصطناعي، لكنه يُعيد تذكير الإنسان — في كل مرحلة — بأن القوة بلا عبودية اختلال، وأن العلم بلا تواضع مآله الفناء. وعند انقضاء الدنيا، وسقوط كل مظاهر السلطان، يُبعث الخلق، ويُكشف الغطاء، ويُسمع النداء الذي تُطوى به صفحة الوهم، ويثبت به الحق:
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى