مقالات

 محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..نهر النيل: جوهرة أضعناها وفرصة سانحة لاستثمار عملاق

 محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..نهر النيل: جوهرة أضعناها وفرصة سانحة لاستثمار عملاق

 

 

ما الذي ضيع نهر النيل في بلادنا وهو ثروة هائلة تعبر السودان دون أن نستفيد منه إلا فائدة ضئيلة . وكشأننا مع كل ثروات بلادنا ومواردها الهائلة لم نتحرك لاستغلال هذا النهر العظيم الذي يكفي وحده لحل كل مشاكل بلادنا ونقلها إلى أعلى ذرى النهضة والرخاء .
لم نفكر في كيفية الحصول على نصيبنا من مياهه بعدالة كما لم نفكر بطريقة استراتيجية في الاستفادة من مياهه والثروات الكامنة فيه او التي يجلبها ويحملها الى طول شواطئه أو الفرص العظيمة للإستثمار فيه .

ينبع النيل الأبيض من بحيرة فيكتوريا ، ويتغذى من روافد أساسية مثل بحر الجبل وبحر الزراف ، وبحر الغزال ، ونهر السوباط ، وأصبحت جميعها خارج حدود السودان لكنها ما زالت تغذيه بالمياه من خارج أراضيه. أما النيل الأزرق فينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا، ويتغذى في السودان من روافد داخلية مهمة مثل نهر الدندر ونهر الرهد، اللذين ينبعان من الهضبة الإثيوبية ويدخلان السودان ليصبا في النيل الأزرق ، إضافة إلى نهر عطبرة الذي ينبع من الهضبة الأثيولية .

ولا يُطلق عليه اسم “نهر النيل” إلا بعد التقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق في الخرطوم، حيث يتوحّد المجرى ليشق السودان شمالًا حتى مصر، حيث ينتهي بفرعي رشيد ودمياط في الدلتا ، ثم يصب في البحر الأبيض المتوسط.
وضمن حوض النيل نهر القاش وخور بركة إلا أنهما لا يرتبطان بالنيل مباشرة ولكل منهما دلتا ينتهي فيها في موسمهما المطري .

كمية مياه نهر النيل التي تصل إلى مصر والسودان حوالي 84 مليار متر مكعب سنوياً ، مع الأخذ في الاعتبار كمية التبخر . يساهم النيل الأزرق بنحو 59% من إيراد النهر ، بينما يساهم النيل الأبيض بنحو 14% ، ونهر عطبرة بنحو 13% ، وبحر الجبل بنحو 14% .
إجمالي المياه المتاحة لمصر من مياه النيل يبلغ 55.5 مليار متر مكعب ، بينما لا تتجاوز حصة السودان 18 مليار متر مكعب .

ويحكم توزيع حصص مياه النيل اتفاقات دولية أهمها اتفاقية عام 1929 التي منحت مصر والسودان حصصاً مائية كبيرة، ومنحت مصر حق الاعتراض على أي مشاريع مائية في دول المنبع. واتفاقية عام 1959 التي عززت هذه الحصص . وهناك أيضاً مبادرة حوض النيل واتفاقية عنتيبي التي تسعى إلى تنظيم استخدام مياه النيل وتوزيعها بين الدول الأعضاء.

تعتبر قضية مياه النيل من القضايا الحساسة في المنطقة، حيث توجد خلافات بين دول الحوض حول استخدام مياه النيل، خاصة مع بناء سد النهضة في إثيوبيا.
مصر والسودان تعتمدان بشكل كبير على مياه النيل ، وتطالبان بالحفاظ على حصصهما المائية التاريخية ، وتخشيان من تأثير سد النهضة على حصصهما المائية . بينما إثيوبيا تعتبر سد النهضة مشروعاً تنموياً مهماً لتوليد الكهرباء وتنمية البلاد ، وتطالب بحقها في استخدام مياه النيل لتلبية احتياجاتها التنموية .

دول المنبع الأخرى تطالب أيضاً بحقها في استخدام مياه النيل لتلبية احتياجاتها التنموية، وتعارض فكرة الحصص المائية التاريخية .
ويمتلك السودان أطول مسار لنهر النيل وروافده وأكثره تنوعاً ، مما يجعله مؤهلاً ليكون المستفيد الأكبر من هذا المورد الرباني إذا أُعيد النظر في كيفية استثماره بصورة منهجية شاملة.
فالنهر ليس مصدراً لمياه الشرب والري فقط ، إنما هو منصة ضخمة للاستثمار المتعدد الوجوه .

خطوتان أساسيتان إذا تم اتخاذهما فإنه يمكن استثمار نهر النيل بما يؤدي إلى تحقيق قفزة كبيرة في إقتصادنا تحوله إلي أقوى اقتصاد في المنطقة وهما :
إيجاد بيئة جاذبة قائمة على اقتصاد حر شامل ، وأنظمة رقمية متكاملة ، وإجراءات ميسرة ، وضمان كامل للحقوق، وتحفيز الشراكات المحلية والعالمية. وعبرها ينجذب المستثمر الأجنبي والمحلي بما يمكن من تنفيذ مشروعات عملاقة لاستثمار نهر النيل وروافده ومنها :

تطهير وتعميق المجرى في النقاط الحرجة إلى عمق لا يقل عن 2.5–3 أمتار لضمان الملاحة طوال العام، ووضع العلامات الملاحية والإرشادية (الشمندورات – Buoys) على طول المجرى لا سيما وأن خمسة من الشلالات الستة موجودة في السودان .
تحويل النيل إلى شريان مواصلات اقتصادي فعال بتهيئة مجراه لحركة السفن عبر عمليات التجريف المنتظمة ، وإنشاء الأهوسة (Locks – وهي بوابات مائية تتحكم في مستويات المياه للسماح بمرور السفن بين مقاطع ذات مناسيب مختلفة) .

إنشاء القنوات المساعدة لتجاوز العوائق الطبيعية .
ربط النيل بوسائل النقل الأخرى وتطوير الموانئ النهرية الحديثة. بإقامة محور نقل متكامل يربط بين موانئ السودان النهرية في كوستي والخرطوم وعطبرة ودنقلا ووادي حلفا، وصولًا إلى مصر شمالًا، وربطه بخط سكة الحديد الممتد من الخرطوم إلى بورتسودان شرقاً ، ليصبح النيل جزءاً من ممر تجاري ذكي يصل إفريقيا بالبحر الأحمر والعالم.

الربط العملي بين النيل والبحر الأحمر عبر ممر بري – نهري مزدوج بين الخرطوم وبورتسودان ، يُدمج فيه النقل النهري والبري في سلسلة لوجستية موحدة .
إطلاق نظام مراقبة حركة السفن (VTS – Vessel Traffic Service) ونظام التتبع الآلي للسفن (AIS – Automatic Identification System) .
إنشاء مراسي مؤقتة مجهزة في الخرطوم وعطبرة وكوستي ودنقلا ووادي حلفا .

تشغيل أسطول أولي من السفن النهرية منخفضة الغاطس لنقل البضائع (Barges) وسفن الحاويات النهرية، بالإضافة إلى عبّارات حديثة متعددة الأغراض لنقل الركاب والبضائع.
تشغيل خط نهري على المحور الشمالي، دنقلا – عطبرة –الخرطوم – وادي حلفا، مع الربط عبر بحيرة النوبة حتى أبو سمبل – أسوان ، ثم ربط بري – سككي قصير إلى شبكة النقل المصرية باتجاه الدلتا ، ومنها إلى الموانئ الكبرى مثل دمياط أو الإسكندرية ، ما يتيح للسودان منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط .

في المحور الجنوبي، تفعيل خط الخرطوم – كوستي – ربك – ملكال – جوبا ، مما يفتح ممراً تجارياً مع جنوب السودان وشرق ووسط أفريقيا .
إنشاء ربط لوجستي مزدوج نهري – سككي بين الخرطوم وبورتسودان وسواكن لخدمة الموانئ البحرية، عبر موانئ جافة داخلية (Dry Ports) مجهزة بساحات حاويات ومخازن تبريد ، بحيث تنتقل الحاويات مباشرة من البارج النهري إلى القطار أو الشاحنة في سلسلة نقل واحدة دون إعادة مناولة مهدرة . بناء موانئ نهرية دائمة في النقاط المحورية مجهزة بروافع حاويات (Container

Cranes) ومخازن تبريد وساحات فرز ، ويمكن انجاز هذا في مدى عامين إلى أربعة أعوام .
إدخال سفن متخصصة للحاويات النهرية وسفن مبردة (Reefer Vessels) لنقل الأسماك واللحوم والخضر الطازجة ، مع تزويدها بوحدات طاقة شمسية على الأسطح وبطاريات ليثيوم للتشغيل الليلي وخفض الانبعاثات . ويمكن البدء بأسطول أولي يضم 10 سفن شحن نهري منخفضة الغاطس، و6 سفن ركاب حديثة، و4 سفن متعددة الأغراض قابلة لإعادة التهيئة ، بالإضافة إلى قوارب خدمة وسحب وإنقاذ ومراقبة .

إطلاق رحلات سياحية نهرية وفنادق عائمة بين الخرطوم ودنقلا ووادي حلفا وربطها بأسوان والأقصر ، لتقديم باقات سياحة ثقافية وتاريخية .
يتيح النقل النهري خفض تكلفة نقل البضائع بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالنقل البري، كما يقلل الضغط على الطرق، ويفتح المجال لسلاسل تبريد نيلية للمنتجات الزراعية والأسماك ، مما يعزز صادرات السودان عبر دمياط أو الإسكندرية أو بورتسودان بحسب المواسم .
من المهم الإشارة إلى أن مصر تستفيد حالياً من النيل في

النقل الداخلي للركاب والبضائع عبر خطوط منتظمة بين الموانئ النهرية على طول مجرى النهر ، إضافة إلى استخدامه في السياحة النيلية (الأقصر – أسوان، القاهرة – أسوان)، لكن ازدحام المجرى وحساسية إدارة المياه هناك تحدّ من التوسع الملاحي. أما في السودان، فالفرصة أكبر وأفضل بكثير ، بسبب طول المجرى داخل السودان مع قلة الازدحام الملاحي ، ووجود موارد ضخمة قابلة للنقل ، وإمكانية إنشاء منظومة حديثة من الصفر بأحدث التقنيات .

دمج النقل النهري مع البحر الأحمر ليصبح السودان حلقة وصل تجارية بين قلب إفريقيا والمحيط العالمي .
توسيع استغلال الثروة السمكية التي تقدر في المياه الداخلية بالسودان بحوالي 110 ألف طن، وينتج النيل الأبيض الجزء الأكبر منها بنسبة 82.2%، يليه النيل الأزرق بنسبة 11.2%، ثم نهر عطبرة بنسبة 3.4% والنيل بنسبة 2.7%، . بينما تقدر في منطقة السدود بـ 70-75 ألف طن . وفي بحيرة النوبة

يقدر المخزون السمكي بحوالي 5 آلاف طن والإنتاج الحالي 500 طن سنوياً بينما يبلغ استهلاك الفرد من الأسماك في السودان حوالي 4.5 كيلو فقط في العام .
في انهار السودان أجود أنواع اسماك المياه العذبة وتمتاز بسمعة طيبة في ان النيل غير ملوث بكيماويات خطرة أو ملوثات مسرطنة . ولديه مخزون هائل من الأنواع التجارية المميزة ، مثل العجل والبلطي النيلي ، والبياض ،

والقرموط ، والكبروس ، والبني ، والساردين النيلي ، والشلب ، والكدن ، وخشم البنات ، وهي أنواع مطلوبة في الأسواق المحلية والعالمية مما حدا بالصين لاستزراع البلطي النيلي وأصبحت أكبر منتج له في العالم .
ورغم أن قطاع الصيد يعاني من الصيد الجائر والعشوائي وتأثير ارتفاع درجة الحرارة على الأنهار ، إلا أنه يمكن استثمار هذا المخزون عبر تنظيم الصيد المستدام ، وتطوير مشاريع الاستزراع السمكي في مجرى النهر والخزانات مثل جبل أولياء ومروي ، مع إقامة مصانع تحويلية للأسماك ومشتقاتها للتصدير .

استغلال الكميات الضخمة من الطمي الغني بالعناصر العضوية والمعدنية التي يحملها النيل سنوياً كـ”محسن تربة” طبيعي ، ومعالجتها لإنتاج سماد عضوي عالي الجودة أو مواد إنشائية خضراء .
استثمار الطمي والطين النيلي في الصناعات العلاجية والتجميلية ، لإنتاج كريمات طبيعية ومنتجات للبشرة ، واستخدامه المباشر في المنتجعات الصحية والعلاج الطبيعي .

تعدين الذهب من رواسب النيل التي تحوي كميات دقيقة من الذهب يمكن فصلها بوسائل صديقة للبيئة دون استخدام الزئبق أو السيانيد ، عبر تقنيات الطرد المركزي والمجارف المائية ، خاصة في المناطق ذات الكثافة الرسوبية مثل التقاء النيلين .
استثمار الجمال الطبيعي والبيئة الخلابة التي يتميز بها النيل عبر الرحلات النيلية والفنادق العائمة والسياحة البيئية ، خاصة في المناطق ذات الإطلالة النيلية أو الجبال المحيطة أو المواقع الأثرية من مروي إلى دنقلا إلى كرمة .

تعزيز الجذب السياحي بإضافة التلفريك في المناطق المرتفعة أو الخلابة على ضفاف النهر.
انتاج الطاقة الكهرومائية النظيفة عبر محطات صغيرة تعمل بالتيارات السطحية أو التوربينات الغاطسة ، دون الحاجة إلى سدود ضخمة ، مما يتيح توليد الكهرباء بتكلفة منخفضة وبشكل مستدام .
تطوير التعاون العملي بين السودان ومصر وإثيوبيا كضامن لتعظيم الفوائد المشتركة ومنع الصراعات ، عبر تأسيس مصالح استراتيجية دائمة تشمل تبادل الكهرباء، وتنسيق السياسات المائية ، وتطوير مشاريع زراعية وصناعية مشتركة على ضفاف النهر ، وإنشاء ممرات تجارية عابرة للحدود .

كما يجب إعادة قسمة مياه النيل بما يحفظ للسودان حقوقه كاملة وفق منظومة ذكية تؤمّن لمصر مخاوفها من شح المياه ، عبر تعاون استثماري مشترك يحقق المكاسب للطرفين . ويمكن أن يؤدي السودان دور الرابط بين مصر وإثيوبيا بفضل موقعه الجغرافي ، بما يضمن شراكات متوازنة ومستقرة .
ويكفي لأن ندرك عظمة هذا النهر أن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم:
«سِيحانُ وجِيحانُ، والفُراتُ، والنِّيلُ، كلٌّ من أنهارِ الجنَّةِ».
إنه نهر مبارك، ومسؤولية تعظيم الاستفادة منه مسؤولية مشتركة ، ويبقى الاستثمار فيه بحكمة هو طريقنا لنهضة ممكنة طال انتظارها.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى