مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..السودان بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..السودان بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون

 

 

السودان اليوم، كما يعرفه العالم، بلدٌ واسع المساحة، عظيم الموارد، لكنه مكبّل بقيود العجز وسوء الإدارة. أرضُه التي وهبها الله من كل صنوف الخصب والثراء لا تزال عاطلة، وشعبُه الكريم الذكيّ المبدع يعيش في بيئةٍ طاردةٍ تحبط الهمم وتكسر الطاقات. وبين ما هو كائن وما يمكن أن يكون، تمتدّ مسافةٌ شاسعةٌ قوامها غياب الرؤية، وفساد الإدارة، وتقييد الطاقات بالأنظمة العقيمة.

فمن حيث الواقع، يقبع السودان في ذيل مؤشرات التنمية البشرية، ويعاني اقتصاده من هشاشةٍ هيكلية، وناتجه المحليّ الإجمالي لا يتجاوز بضع عشرات من المليارات، معظمها من صادراتٍ أوليةٍ خامٍ لا تصنع نهضةً ولا تخلق فرصًا. البنية التحتية متهالكة، والبيروقراطية متحجّرة، والثقة بين المواطن والدولة مفقودة. وهكذا تحوّلت النعمة إلى نقمة، والثروة إلى عبء، والوعد إلى حسرة.

غير أن هذا ليس قدر السودان، بل نتيجةُ خياراتٍ خاطئةٍ وسياساتٍ قاصرة. فحين يُنظر إلى السودان بعين الإمكان لا بعين الحرمان، يتبدّى وجهٌ آخر مغايرٌ تمامًا.
فهو بلدٌ يملك أكثر من مئتي مليون فدانٍ صالحةٍ للزراعة لا يُستغل منها إلا القليل، ويملك ثروةً حيوانيةً تفوق المائة مليون رأس، ومياهاً سطحيةً وجوفيةً تجعله في مصاف الدول الغنية مائيًا، ومعادنَ تمتدّ من الذهب إلى الليثيوم والعناصر النادرة التي يتهافت عليها العالم الجديد.

وما بين النيل والبحر الأحمر، يمتلك السودان موقعًا استراتيجيًا نادرًا يؤهّله أن يكون مركزًا لوجستيًا وتجاريًا يربط إفريقيا بالعالم، ومنطقةً حرةً عالميةً ترفد القارة وتستقبلها. ولو نُظّمت موارده بعقلٍ راشدٍ وإدارةٍ رقميةٍ شفافة، لأصبح سلةَ غذاءٍ وموادَّ خامٍ مصنَّعةٍ للعالمين العربي والإفريقي معًا.

إن ما ينقص السودان ليس الموارد ولا الأرض ولا الإنسان، بل التحريرُ الشامل، والحوكمةُ الرشيدة، والرقمنةُ المتكاملة التي تفتح الأبواب المغلقة وتُعيد الثقة إلى النظام العام. فبلا تحريرٍ حقيقيٍ للأسواق، ورقمنةٍ توحّد التعامل وتمنع الفساد، لن تقوم نهضة. وبلا انضباطٍ مؤسسيٍ يحاسب المقصّر ويكافئ المنتج، ستظلّ الثروة ضائعةً في متاهات العجز والشكوى.

ولتحقيق ذلك عمليًا، لا بد من خارطة طريقٍ تبدأ بإعلان التحرير الشامل رسميًا، وتوحيد النظام المالي والإصلاح المؤسسي، والانتقال إلى الإدارة الرقمية الشفافة في كل مفاصل الدولة. يلي ذلك إنشاء مفوضية عليا للإصلاح والحوكمة تتبع مباشرة لرئاسة الوزراء، تُعنى بمتابعة التنفيذ وفق مؤشرات أداء دقيقة، وتُقيم التجارب، وتُراجع المسار دوريًا لضمان الاستدامة والشفافية.

لو وُضعت هذه الإصلاحات موضع التنفيذ، فإن السودان قادرٌ، خلال عقدٍ واحد، على أن يتحوّل إلى قوةٍ اقتصاديةٍ إقليميةٍ عظمى:
يرتفع ناتجه المحلي الإجمالي إلى مئات المليارات من الدولارات، وتتجاوز صادراته المئتي مليار، وينخفض الفقر إلى أدنى مستوياته، وتغدو الرقمنة قاعدةَ التعامل لا استثناءَه. وحينها سيغدو السودان لا تابعًا ولا هامشًا، بل محورًا يُعاد عنده تعريف القوة والازدهار في إفريقيا والعالم العربي.

فالسودان ليس دولةً فقيرة، بل دولةٌ أُفقرت؛ وليس عاجزًا، بل أُعجز؛ وما بين الإمكان والإعراض عن الفعل تضيع الأمم حين تغيب الرؤية والإرادة.

نعم، نعلم أن السودان ظلّ يعاني منذ عقودٍ من الإشكالات البنيوية والإدارية، ومن نزاعاتٍ وصراعاتٍ داخليةٍ مسلَّحةٍ ودموية، كما تعرّض لاستهدافاتٍ خارجيةٍ مكثفةٍ خبيثةٍ وماكرة. وهو الآن محاصرٌ بل محاربٌ بحربٍ تُستعمل فيها كل أدوات العداء المباشر والناعم المستتر.
ولأنّ نهضة السودان لا تجري في فراغ، بل في بيئةٍ دوليةٍ متشابكةٍ تحيط بها الأطماع والتحديات، فإنّ معركة البناء لا تقلّ خطورةً عن معركة البقاء.

هنا يبرز سؤالان متقابلان:
هل يقتصر جهدنا على صدّ العدوان ومقاومته فحسب، أم يوازي ذلك جهدٌ في التخطيط والترتيب والتعمير؟
والحقُّ أن العمل المتوازي ليس فقط الأفضل بل هو الأوحد. فالمقاومة نفسها لن تصمد ولا تستمر ولا تجد التمويل اللازم إلا إذا تحرّكت جميع المحاور وقوّى بعضها بعضًا:
فالمالُ حتميٌّ للحصول على السلاح، والقوةُ لازمةٌ لردع العدو، والتقنيةُ ضروريةٌ لإدارة الموارد، وجودةُ التعليم لا مناص منها في وعي الأمة وترتيب أولوياتها وكبح الفساد، وصنعُ البيئة المتعافية لا محيد عنه لإتاحة تكافؤ الفرص والابتكار. وجمعُ كلِّ ذلك هو مفتاحُ المقاومة والنهضة معًا.

ومن يظنّ أنّه حتى لو وُفِّق السودان في كلّ هذا فستأتي لحظةٌ يتوقف فيها المكرُ والاستهدافُ والكيدُ ومحاولاتُ التمزق والاستضعاف، فهو واهم. ذلك لن يتأتّى أبدًا؛ فالسودان سيظلّ مستهدَفًا ما دام يملك مواردَ وثرواتٍ بشريةً وماديةً هائلة، ويتمتّع أهله بروح استقلاليةٍ وحميّةٍ وعزّةٍ ذاتية.

لكنّ كثرة وتنوّع ما سيملكه السودان من نتائج تكثيف جهده وحراكه وفق رؤيةٍ كليةٍ ثاقبةٍ وتخطيطٍ دقيقٍ محكم، هو ما يؤمّن له الارتقاء والدفع معًا؛ وتلك سنّة الحياة العامة التي لا تتبدّل: تلازمُ الدفع والبناء، ومن يلازم إحسانَ الأخذ بهذين الركنين هو الناجي الفائز.
ولحظةُ البدء في الأخذ بذلك هي لحظةُ الوعي بحتميّته، ولو كنا في غياهب الجب، أو بين الركام ومعامع النيران.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى