محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..ثغرة المنظومة العدلية :صيحة متجددة للإصلاح

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر..ثغرة المنظومة العدلية :صيحة متجددة للإصلاح
كيف يمكن لدولة أن تنهض أو تستقر أو حتى تحافظ على بقائها بينما حصونها الداخلية مهددة بالانهيار؟ القضاة ووكلاء النيابة وضباط الشرطة العدلية يتقاضون رواتب لا تكفي حتى لضرورات الحياة اليومية، في وقت تُطلب منهم فيه أرفع درجات النزاهة والحياد والانضباط . وهم في الحقيقة صمام الأمان الأخير للمجتمع ، وإذا انهار هذا الصمام فإن كل البناء يتداعى .
ففي العاشر من يوليو الماضي أطلقت هذه الصيحة في مقال (فرصة ذهبية لإصلاح وتطوير المنظومة العدلية) متزامناً مع (الملتقى التفاكري حول الرؤية الاستراتيجية لتطوير الأداء المؤسسي لتعزيز سيادة حكم القانون) ، ولا نشك أن صيحتنا ومقترحاتنا وصلت المشاركين ووصلت معالى وزير العدل من باب أولى .
لكننا للأسف لم نجد مخرجات هذا الملتقى منشورة معلناً عنها كما حدث عند التبشير بالملتقى .
ومقترحاتنا تضمنت حلولاً شاملة وجذرية للمشكلة العدلية .
إن هذه اللحظة التي نعيشها تمثل منعطفاً تاريخياً شبيهاً بميلاد دولة جديدة ، وإن إصلاح العدالة ليس خياراً ثانوياً أو ملفاً يمكن تأجيله ، لأنه هو المدخل الذي لا قيام لأي نهضة بدونه . إذ لا دولة بلا عدالة ، ولا عدالة بلا قانون ، ولا قانون بلا استقلال فعلي كامل لمنظومة القضاء والنيابة ، ولا استقلال حقيقي لهذه المنظومة الرفيعة المبجلة في ظل بيئة عمل سيئة ، وشروط خدمة مجحفة ، وتدخلات تجعل عملهم لتحقيق العدالة بعيد المنال .
أن الأزمة ليست في ضعف الرواتب وحدها ، بل في غياب الرؤية الجذرية التي تحمي هذه المرافق ، وتؤسس لها بيئة صالحة للنهوض .
كما أن البيئة الإقتصادية المتردية تجعل أصلاح المنظومة العدلية وتمكينها من أداء واجبها شبه مستحيل ، فلا يمكن في ظل اقتصاد مكبل بالقيود تكبيلاً أدي الى تدهوره ووقف تطوره وحجب تدفق الاستثمارات والاموال إلى شرايينه ، لا يمكن المناداة بخفض معدلات الجريمة ، أو توفير الامكانات التي تمكن المنظومة العدلية من الانطلاق الكامل لأداء واجباتها .
إن علاج مشكلات المنظومة العدلية يتطلب حلولا متكاملة نادينا بها ونكرر النداء وتشمل:
*تحرير حقيقي للقضاء وترسيخ مبدأ استقلال القضاء في الدستور، لا كشعار، بل كقيد يمنع أي تدخل من السلطة التنفيذية في سير العدالة .
*دفع أعلى الرواتب في الدولة للعاملين في المنظومة العدلية والأمنية والتعليمية والصحية، لأنهم أهم أعمدة الدولة ، وما من نهضة تُبنى إن هم انهاروا أو انهارت الثقة فيهم.
*توفير دعم مالي كبير أرى أن يربط بما يعدل قيمة سعر الذهب أو الدولار بالسوق الموازى كل ستة أشهر، أو نحو ذلك، لحين استقرار العملة لاحقا بتوازن الاقتصاد ،فالامر ليس هزلا ، و لا يتوقف عند تحسين الرواتب ، بل يشمل تطوير المكاتب ، وتأمين الخدمات ، وخلق بيئة تجعل العدالة مهنة مجزية محمية ، لا ملاذاً اضطرارياً .
*بناء أنظمة عدلية حديثة قادرة على مجاراة العصر بانشاء تكوين عصري متطور لأجهزتنا العدلية يرفع كفاءتها ويُهيئها لمجابهة التحديات الحديثة بتطوير
مناهج التعليم لطلاب القانون وبالتدريب ورفع كفاءة القضاة حيث أن القاضي والمحامي الناجح لا تكتمل أدواته بدون تكوين معرفي مزدوج، ولذلك أنشأت دول عديدة برامج تخصص مزدوج تجمع القانون مع مجالات أخرى كالإدارة والاقتصاد والتقنية والعلاقات الدولية وعلم النفس وغيرها . وقد ثبت نجاح هذا المنهج في تجارب الدول المتقدمة ومن واجبنا أن نلحق بهذا الركب .
*إنشاء نظام عدالة رقمية ذكية، تبدأ من بلاغات
إلكترونية، وتحال تلقائياً للنيابة المختصة، وتُحدَّد جلسة المحاكمة ، ويُخطَر الشهود والمتهمون برسائل فورية. هذا الربط الشبكي الموحد بين الشرطة والنيابة والمحاكم سينهي فوضى الأوراق ، ويضبط سير العدالة ، ويمنع التلاعب ، ويقلّص زمن الإجراءات بنسبة عالية جداً بل في السودان تحديداً وربما يتجاوز الأثر أضعاف ذلك . ويمكن بذلك أن يتحول السودان في سنوات قليلة ليصبح نموذجاً يحتذى .
*النيابة العامة يجب أن تُفصل تماماً عن وزارة العدل ، وتكون مؤسسة سيادية مستقلة ، لتضمن حيادها الكامل ، وتُقطع الطريق أمام أي توظيف سياسي .
*إصلاح جهاز الشرطة ، ليكون أداة لحماية الحقوق لا كابوساً يُخشى ، وتطوير شروط القبول والتدريب داخله ليواكب المعايير الدولية ، وترقية أخلاقيات المهنة وورفع كفاءة الأفراد وتزويدهم بالمعارف اللازمة لرفع كفاءة أدائهم ورفع المامهم بالتقنيات الرقمية الحديثة.
*تقوية وإنفاذ القوانين التي تمنع القضاة وأعضاء النيابة والشرطة من مزاولة التجارة أو العمل السياسي طيلة فترة الخدمة ، ضماناً للنزاهة الكاملة وتجنّب عدم الحياد الكامل .
*أن تتولى الهيئة القضائية تكوين مفوضيات رقابية مستقلة لمساءلة الأداء القضائي والنيابي والشرطي تدعم نظام الرقابة القائم حالياً في هذه المنظومة وتمثل حجر الأساس في الإصلاح الجذري الشجاع وتسد الباب أمام أي انحرافات .
*توسيع المساعدة القانونية المجانية عبر مكاتب عامة للمرافعة كمبدأ أصيل لحماية الحقوق ليحصل الفقراء على محامٍ كما يحصل عليه الأغنياء .
*تحرير الإقتصاد تحريراً حقيقياً كاملاً ليتمكن من النهوض ويفي بمتطلبات العدالة ويهييء المجتمع لحياة تقل فيها الجريمة بسبب الفقر . وفي نفس الوقت تتوافر الأمكانات المالية اللازمة لأداء عدلي مقتدر .
فكل ما سبق من إصلاحات يحتاج إلى قاعدة اقتصادية قوية . فالحديث عن إصلاح عدلي مع اقتصاد مكبل مفلس، يصبح شعارات جوفاء .
*ضبط أداء جميع أجهزة الدولة بنظام رقمي شامل يحقق التعامل الفوري بينها وبين المنظومة العدلية وبين كل ذلك والمواطنين .
¶ وفي السودان حين يشعر المواطن أن القانون يحميه، فإنه لا يلجأ لقبيلة تسنده ولا يبحث عن بندقية تحميه . وحين يطمئن المستثمر إلى نظام عدلي مستقل ، تتدفق رؤوس الأموال وتتولد الوظائف وتزدهر التنمية . وحين تغيب الثقة في العدالة ، تنبت الفوضى من كل جانب ، وتتحول الدولة إلى مهب للاضطرابات .
نحن لا نحتاج لمعجزات ، بل إلى إرادة سياسية صادقة ، وقرارات واضحة ، تضع دولة القانون فوق الجميع ، وتصنع منظومة عدلية تحمي الضعيف وتردع المتعدي ، وتُطمئن المستثمر ، وتحفظ كرامة الناس.
ولهذا فإن سدّ الثغرة الكبرى في رواتب العاملين في المنظومة العدلية لا يكون بزيادة مؤقتة في الرواتب ولا بشعارات سطحية، إنما يكون بإرادة سياسية واضحة تعلن أن العدالة هي الأساس ، وأن حماية وتامين حاجيات ، بل تحسينيات منسوبى المنظومة العدلية قضاء ونيابة وشرطة هي المدخل الحقيقي لقيام دولة القانون .
إن في هذه الأجهزة رجالًا ونساء يعرفون قيمة الشرف والضمير ، وينتظرون فقط بيئة نظيفة وأجراً كريماً ليكونوا حقاً حماةً للحقوق وسياجاً للحرية. فلتكن هذه لحظة الوعي الكبرى، ولتُسدّ هذه الثغرة قبل أن تبتلع كل محاولات الإصلاح الأخرى.