مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر.. انقاذالخطوط البحرية السودانية : مهمة عاجلة وتدارك لخلل كبير

 محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب: .. بهدوء و تدبر.. انقاذالخطوط البحرية السودانية : مهمة عاجلة وتدارك لخلل كبير

 

 

 

كما انكسر جناح “سودانير” في الجو ، انكسرت دفة الخطوط البحرية السودانية في البحر ، وتهاوت السكة الحديدية العملاقة . فهل هي مصادفة أن تنهار أعمدة النقل الجوي والبحري والبري في وقت واحد؟
أم أن وراء ذلك خللاً عميقاً في بنية الدولة كلها ؟
كانت السفن السودانية تجوب موانئ العالم ، تنقل صادرات السودان ووارداته ، وتُثبت قدم الدولة السودانية على خارطة التجارة البحرية الدولية .

والخطوط البحرية السودانية شركة عريقة تجاوز عمرها الستين عاما ، حيث تأسست عام 1962م كشركة مملوكة للحكومة السودانية ، ضمن مشروع نهضوي متكامل أراد أن يُرسّخ حضور السودان المستقل على خارطة العالم .
بدأت بأسطول متواضع ، ثم توسعت لتمتلك 13 باخرة حديثة تعمل في الخطوط الدولية، منها:
النيل الأزرق ، النيل الأبيض ، كادوقلي ، بورتسودان ، الفاشر ، الخرطوم .

وكانت تنقل البضائع والركاب من وإلى موانئ الخليج وأوروبا وآسيا ، وتُغطي احتياجات السودان من السلع والصادرات الزراعية ، وتُحقق عائدات معتبرة .
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت الشركة تُعد من أنجح شركات النقل البحري في إفريقيا والعالم العربي ، وتوفرت لها ورش صيانة بحرية وكوادر سودانية مؤهلة.

ومنذ أوائل التسعينات، بدأت الشركة تتدهور بوتيرة متسارعة
وتعددت اللجان والمحاولات للعلاج لكن ظلت المشكلة قائمة لأن الجميع حاول معالجة فرع من شجرة ميتة الجذور.
فقد جرى التركيز على شراء سفن ، أو تغيير إدارة ، أو تحديث قوانين ، حتي تم بيع السفن في صفقات غير واضحة ، وتوقفت الورش البحرية ، وتُركت الشركة تُصارع الريح بلا ميناء ولا بوصلة ، حتى أصبحت “شركة بلا سفن”، و”إدارة بلا فحوي” .

هناك أسباب عديدة قادت لهذه النتيجة المؤسفة شملت:
انعدام البيئة العامة الصحيحة اللازمة لنجاح أي عمل أو نشاط إقتصادي والتي لا يمكن تحققها بينما الإقتصاد تخنقه القيود وتعطل انطلاقته بيروقراطية عقيمة .
تآكل بنية الدولة نفسها ، وفقدان الرؤية الوطنية .
تفكيك الخدمة المدنية وإضعاف نظام الرقابة والمساءلة .
الفساد المؤسسي ، وغياب المعايير في الإدارة والتوظيف .

فشل متكرر في صيانة السفن وتحديث الأسطول .
غياب التخطيط الاستراتيجي وتضارب القرارات المركزية .
سياسات الخصخصة والتصفية ، التي أُفرغت من مضمونها ، وأُديرت بعشوائية مُدمرة .
إن شركة الخطوط البحرية السودانية ليست مجرد سفن تنقل البضائع انما هي ركن من أركان السيادة وضرورة لازمة لاستقلال قرارنا الوطني في التجارة الخارجية وأمان من تقلبات قواعد التعامل البحري حيث أن سفننا تحمي أسرارنا وتنقل صادراتنا ووارداتنا مهما كانت الصعوبات والعقبات بعكس الناقل الآخر الذي لا تهمه إلا مصالحه والذي يمكن أن يخذلنا لأسباب سياسية او ضغوط دولية فيتحول إلى سهم من أسهم الحصار علينا كما جرى في الأيام القليلة الماضية .

لذلك فإن النهوض بشركة الخطوط البحرية السودانية يصبح الآن ضرورة قصوى وهو عمل ممكن ميسور بتوفر إرادة سياسية صلبة ، وقرار إقتصادي واع ، وبخطوات منطقية محسوبة يؤيد صحتها ونجاعتها الواقع وتشمل :
تحرير شامل ومطلق للدولة كلها بتحرير الاقتصاد من مركزية الدولة وخنقها للقطاعات المنتجة .
إنهاء القيود على التجارة وتحرير الموانئ من الاحتكار .
فتح السوق البحري للاستثمار الحر ، وجذب الشراكات الاستراتيجية من شركات الملاحة الدولية .

انشاء أنظمة رقمية شاملة متكاملة للدولة كلها .
بناء منظومة إلكترونية متصلة تشمل الموانئ والجمارك، والبنوك هيئة الملاحة والأمن البحري .
إنشاء نظام موحّد لإدارة عمليات الشحن والتفريغ والتخليص الجمركي ، وربطها بالأسواق الداخلية .
تطوير نظام تسجيل السفن والرقابة البحرية بمواصفات عالمية .

إنشاء شركة قومية جديدة على أن تُؤسس كشركة مساهمة عامة بين الدولة والمستثمرين الوطنيين والدوليين ، وبإدارة مستقلة عن الوزارات .
وتقوم الشركة الجديدة على دراسة جدوى حقيقية، وفق قواعد الشفافية والحوكمة الرشيدة.
بناء أسطول تدريجي ذكي عبر نظام التأجير التمويلي للسفن (Lease to Own).
بدءاً بسفن الحاويات وسفن البضائع العامة ، ثم التوسع لسفن الركاب لاحقاً .

تحديث الموانئ وربطها رقمياً والبدء بتحديث ميناء بورتسودان وربطه بمنظومة ذكية تشمل النقل والجمارك والضرائب والمصارف والتخليص والتأمين .
فتح موانئ جديدة على البحر الأحمر لتوسيع الطاقة الاستيعابية ، وربطها بخطوط السكك الحديدية (التي ستنصلح تلقائيا بالتوازي بصلاح البيئة الكلية).
توطين الصناعات والخدمات البحرية

وإنشاء أكاديمية وطنية للملاحة والهندسة البحرية .
دعم الصناعات المرتبطة (صيانة السفن – تصنيع الحاويات – الخدمات اللوجستية).
إن الخطوط البحرية ليست فقط شركة نقل ، إنما هي شريان سيادي يُحرك الاقتصاد ويصون السيادة ، ويُقلل الاعتماد على الأجانب في الشحن والاستيراد .
وهي كذلك مرآة لهيبة الدولة في الخارج ، وشاهد على مدى فاعلية أجهزتها داخلياً .

لن تعود السفن السودانية لترفع الراية في البحار ، إلا إذا رُفعت أولاً راية الدولة نفسها على برّها ، بتحرير شامل، ونظام متكامل .
فالحرية تولّد الموارد ،
والنظام يحسن توظيفها ، ومنهما معاً يولد البحر الذي يُبحر فيه الوطن إلى غده المشرق .

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى