محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..عندما تُختبر الجامعة… ويُستدعى دور الدولة

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..عندما تُختبر الجامعة… ويُستدعى دور الدولة
في الأيام الماضية، شغلت الرأي العام الأكاديمي والإعلامي استقالة البروفيسور علي عبد الرحمن رباح من منصبه أمينًا للشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، وما أعقبها من بيانٍ أوضح فيه أسباب استقالته، وردٍّ رسمي من الجامعة على ما ورد في ذلك البيان. وقد اطّلعتُ على النصّين كاملين، وقرأتُهما بوصفهما واقعة تمس السجل الأكاديمي وحوكمة التعليم العالي، لا مجرد خلاف إداري عابر أو سجال شخصي بين مسؤول ومؤسسة.
ومن هذا المنطلق، لا يهدف هذا المقال إلى تبنّي اتهام، ولا إلى الدفاع عن طرف، بقدر ما يسعى إلى تفكيك ما جرى في سياقه الصحيح، وقراءة دلالاته المؤسسية، وتحديد موضع المسؤولية وحدودها، وصولًا إلى السؤال الأهم: كيف ينبغي للدولة أن تتصرف حين تُثار قضايا تمس الشهادة الجامعية، والثقة العامة، وسيادة المعرفة؟
لقد أوضح البروفيسور علي عبد الرحمن رباح أن استقالته لم تكن هروبًا من المسؤولية، بل جاءت – بحسب ما ورد في بيانه – تعبيرًا عن موقف مهني وأخلاقي، بعد تعرضه لضغوط خارجية تتصل بالسكوت عن وصول غير مشروع إلى السجل الأكاديمي، والتراجع عن مسار التحول الرقمي وإيقاف مشروع الشهادات الإلكترونية، والتغاضي عن محاولة تزوير شهادات أكاديمية. وهو، في هذا السياق، لم يدّعِ وقوع تزوير مثبت خلال فترة شغله المنصب، بل ركّز على خطورة الضغط والصمت والتغاضي، وربط المسألة بسمعة الجامعة، وبحقوق الخريجين، وبالأمن القومي بوصف السجل الأكاديمي جزءًا منه.
في المقابل، جاء رد الجامعة دفاعيًا في جوهره، مؤكّدًا عدم ثبوت أي حالة تزوير خلال فترة شغل البروفيسور للمنصب، ومشيرًا إلى صرامة الإجراءات المتبعة وحماية السجلات الأكاديمية، مع التمييز بين عمليتي استخراج الشهادات والتحقق منها، والإقرار بتشكيل لجان للتحقق في بعض الشهادات الصادرة قبل اندلاع الحرب. وهو رد مفهوم من حيث الحرص على السمعة المؤسسية، لكنه يظل – في نظر كثيرين – ردًا لا يلامس جوهر التساؤلات المطروحة.
فالقضية المطروحة لم تكن سؤالًا عن وجود تزوير مثبت من عدمه، بقدر ما كانت تساؤلًا عن وجود ضغوط، أو محاولات وصول غير مشروع، أو تعطيل لمسار التحول الرقمي. وهذه قضايا لا تُحسم بالبيانات وحدها، ولا يبددها النفي العام مهما بلغ من القوة، بل إن الاكتفاء بالبيانات الدفاعية في مثل هذه القضايا الحساسة قد يفضي إلى تعميق الشكوك بدل إزالتها، لأن الثقة العامة لا تُستعاد إلا بإجراءات تحقيق مستقلة وشفافة ومعلنة.
والإنصاف يقتضي القول إن كلا الطرفين أصاب وأخطأ؛ فقد أحسن البروفيسور حين دق ناقوس الخطر مبكرًا، ونبّه إلى مخاطر الضغط المؤسسي وتعطيل التحول الرقمي، على أن ما ساقه من اتهامات يظل، بحكم المنهج والدولة، محل تمحيصٍ مؤسسي كامل، إمّا أن يَثبُت صدقه ونزاهته فتترسخ مشروعية موقفه الأخلاقي، أو يَثبُت عدم صحة ما ذكر فتقوم مسؤوليته وفق ما يقرره القانون دون مواربة أو انتقائية. لكنه، في المقابل، قصّر حين لم يقدّم للرأي العام توصيفًا مؤسسيًا واضحًا لما سماه “الطرف الثالث”، أو لمسار الضغوط التي أشار إليها.
كما أحسنت الجامعة في الدفاع عن سلامة سجلها الأكاديمي ونفي التزوير المثبت، لكنها أخطأت حين اكتفت بالدفاع الاعتباري، دون تناول مباشر لمسألة الضغوط أو الوصول غير المشروع، ودون بيان حاسم بشأن مصير مشاريع التحول الرقمي التي تمثل خط الدفاع الأول عن السجل الأكاديمي.
غير أن الأهم من ذلك كله هو إدراك أن هذه القضية تجاوزت حدود الجامعة ذاتها، وأصبحت تمس السجل الأكاديمي الوطني، وهو جزء أصيل من سيادة الدولة المعرفية. ومن ثم، فإن الجهة الوحيدة المخوّلة أصلًا بتتبّع جميع الاتهامات الواردة والتحقيق فيها تحقيقًا شاملًا ليست الجامعة، بل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وذلك بالتنسيق المباشر مع الجهات العدلية المختصة. فالوزارة هي الجهة التي تملك شرعية التحقيق، وصلاحية فحص مسألة الوصول إلى السجلات الأكاديمية، وتقييم أي تعطيل أو تراجع عن مسار التحول الرقمي، وإحالة أي شبهة جنائية – إن وُجدت – إلى مسارها القانوني، مع إعلان النتائج للرأي العام حمايةً للثقة العامة.
إن ما جرى لا ينبغي أن يُقرأ كأزمة جامعة بعينها، بل كاختبار جدي لنظام التعليم العالي في السودان في ظرف استثنائي بالغ التعقيد. وبعد اكتمال التحقيق وإعلان نتائجه، يمكن للدولة – مهما كانت الخلاصات – أن تحوّل هذه الواقعة إلى فرصة لإصلاح أوسع، يعزز حوكمة السجل الأكاديمي، ويحصّن مسار التحول الرقمي، ويؤكد أن الشهادة الجامعية ليست ورقة إدارية، بل عقد ثقة بين الدولة ومجتمعها.




