مقالات

محمد دهب يكتب| من “سوق ستة” إلى “الشهداء”: رحلة البحث عن “الأوكسجين” في كشة فرامل الحافلات

​في زمن “ما قبل التدوين“، كنا نتذمر من الزحام، ونشتم “السخانة”، وندخل في معارك دبلوماسية مع “الكمساري” حول فكة المائة جنيهاً. اليوم، نكتشف أننا كنا نعيش في “ديزني لاند” شعبية لم ندرك قيمتها إلا حين أصبح السكون هو سيد الموقف. نحن الشعب الوحيد الذي يشتهي الآن رؤية “عسكري المرور” وهو يلوح بيده وسط الهجير كأنه يوزع جوائز، ويحن لـ”الكمسنجي” وهو يصرخ في اللفة كأنه يقود أوركسترا عالمية من “الهايسات” و”الكريزات”.

​ستعود بإذن الله الحياة إلى “السوق العربي”، ذلك المكان العجيب وسط سيمفونية الباعة المتجولين الذين يقنعونك بأنك تحتاج لكل شيء. ستعود “محطة جاكسون” لتكون “مطار الخرطوم الشعبي“، حيث يمارس فيها “الكمساري” دور مضيف طيران بروح قتالية، يقنعك بأن الحافلة تسع لثلاثين شخصاً.

​وستعود المدرجات في “إستاد الخرطوم” لتشهد الصراع الأبدي بين الهلال والمريخ؛ ذلك الصراع الذي كان يوحدنا في “الزعل” ويفرقنا في “الفرح”، حيث يتحول المشجعون إلى “برلمان شعبي” يُفتي في كل شيء، من طريقة لعب “الظهير” إلى أسباب ارتفاع سعر جوال السكر.

ستعود ​بحري.. مملكة “الحوت” وشارع المعونة، وهي ليست مجرد مدينة، بل “حالة نفسية” فريدة، وستعود كما كانت وأجمل. سيعود “شارع المعونة” ليعج بالحياة، و”سعد قشرة” ليقدم الموضة التي تسبق باريس في مخيلتنا. ستعود روح “محمود عبد العزيز” (الحوت) ترفرف فوق “المزاد”، حيث مملكته التي علمتنا أن “الحب” هو الحل الوحيد.

​ستفتح “مستشفى بحري” أبوابها، وسيعود “جامع المتولية” ليجمع المصلين، ستعود “الرقة” البحراوية لتلتقي بـ”العدد الأصلي” عند “علي إبراهيم للعرديب”، وسنذهب لـ”استيلا” و”المؤسسة”. سيعود “ميدان عقرب” ورائحة التاريخ في “نادي الاتحاد البحراوي”، وستُسمع مجدداً لمسات حريفة الكورة. وستعود عراقة نادي التحرير. بحري هي “مسرح خضر بشير”، و”الشيخ حمد”، و”الشيخ خوجلي”، وهي “المحطة الوسطى” وسرى الهوى.

​أما أم درمان، فهي الحكاية التي لا تموت؛ ستعود “الشهداء” لتكون ملتقى الطرق والأرواح، وسيعود “شارع الأربعين” بضجيجه الجميل، و”شارع الدكاترة”. سنعود لنشتم رائحة السمك عند “عوضية” في الموردة، ونسمع صدى الإبداع في “الإذاعة والتلفزيون” و”المسرح القومي”.

​ستعود “جمهورية الكيكي ستي” (الكلاكلة) وجبرة لتمارس دورها في “الجدعنة”، وسيعود “سوق ستة” في الحاج يوسف ليثبت أن الحياة لا تتوقف، وستعود “حلبة المصارعة” لتجسيد القوة السودانية. حتى “توتي”، الجزيرة التي ترفض الغرق، ستظل “عروس النيل” التي نذهب إليها لننسى همومنا أمام “قاعة الصداقة” و”القصر”.

​سنعود لأجل تلك التفاصيل التي كانت تبدو “عادية”، واكتشفنا أنها “أوكسجين”. سنعود لنسمع “كشة الفرامل” في حافلات العربي، ولرائحة “الجبنة” تحت شجر “غابة السنط”، ولشكلة “الركشة” مع “الأمجاد” في شارع النص. سنعود لأجل “ست الشاي” التي تعرف سر “سُكرك” أكثر من طبيبك، ولأجل “بياع الرصيد” الذي يبتسم لك رغم أن الشبكة طاشة.
​سنعود لأن “الراكوبة” في بيوتنا أدفأ من فنادق السبعة نجوم، ولأن “النكتة” السودانية هي السلاح الوحيد الذي لم تستطع أي راجمة صواريخ تعطيله. سنعود لأننا ببساطة “سودانيون”، والجين الذي يحملنا مبرمج على “القومة بعد السقوط”.

​خلاصة القول:
الحرب قد تسرق منا “الجدران”، لكنها أبداً لن تسرق “الذكريات” التي تسكننا. سنعود ونركب مع نفس “الكمساري”، وسنختلف على “باقي المية”، وسنضحك بملء أفواهنا في “لمة ونسة في الحلة”. سنعود أقوى، وأحسن، وأجمل.. لأن السوداني جينياً لا يعرف معنى الهزيمة، والخرطوم مهما “تعبت”، بكرة “بتقوم” وتلبس “توب الفرح” من جديد.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى