الأخبارالثقافية

كيف تفترس العزلة عقل الرجل..فيلم “جنيات إينيشرين”

لمياء رأفت

 كيف تفترس العزلة عقل الرجل..فيلم “جنيات إينيشرين”

فيلم “جنيات إينشيرين” من أكثر الأفلام حساسية في تناوله وحدة الرجل سواء المعاصر أو القديم، ويعده كثيرون أفضل أعمال المخرج مارتن ماكدونا

تم عرض فيلم “جنيات إينشيرين” (The Banshees of Inisherin) للمخرج مارتن ماكدونا لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي، وفاز البطل كولن فاريل بجائزة أفضل ممثل، كما فاز ماكدونا بجائزة أفضل سيناريو، وكان أول عروضه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 44.

تدور أحداث “جنيات إينشيرين” على جزيرة معزولة في أيرلندا وفي زمن قديم مجهول يشهد حربا تسهم بدورها في فرض عزلة على المكان والبشر، ولأن الزمن والمكان لا أهمية لهما في بناء العمل بسبب تركيزه على فكرة العزلة وتأثيرها على البشر، فإن الفيلم صوّر الجزيرة باعتبارها سجنا كبيرا لمجتمع مغلق على ذاته، يعيش في ما يشبه مآسي التراث الأوربي القديم.

كلمة “Banshees” في اسم الفيلم -التي يمكن ترجمتها للعربية إلى “جنيات”- معناها الأصلي لا يتسع لكل الجنيات، بل تعني نوعا محددا وهو “الجنيات النابحة”، وهي التي تصرخ في البراري بالنبوءات المخيفة والمميتة، كنبوءة مصير ماكبث، على سبيل المثال.

 

الكوميديا التراجيدية

كتب مارتن ماكدونا فيلمه على الحافة بين الكوميديا والتراجيديا وهو نوع سينمائي يدعى “التراجيكوميديا السوداء” (Black Tragicomedy)، وبدأت أحداثه بمأساة كوميدية.

يقرر رجل -بين ليلة وضحاها- قطع علاقته بأعز أصدقائه لمروره بأزمة وجودية، فهو يشعر بأنه أضاع عمره في هراء على هذه الجزيرة النائية، ويرغب في أن يترك بصمة في التاريخ، فيترك خلفه بقسوة كل ما يضيع وقته ويتفرغ لفنه، وأول ما أدار له ظهره بطل الفيلم بادريك (الممثل كولن فاريل)، الشاب الريفي الساذج الذي لا يقبل هذا الهجران.

بين محاولة بادريك لاستعادة صديقه، ورفض الأخير بشكل عنيف، تنسج القصة فصولها بتصاعدها المخيف نحو النهاية الكارثية، وذلك عبر حوار مليء بالطرافة والذكاء، وشخصيات كل منها تعاني أزمتها الخاصة.

بعيدًا عن الصديقين، تعيش الأخت شوبان (الممثلة كيري كوندون) بين أهل الجزيرة البسطاء بذكائها وثقافتها، ولكنها حبيسة أزمة لأخيها الشاب دومينيك (الممثل باري كيوجان) ضحية العنف الأسري الذي يفضح سر اعتداءات والده عليه في لحظة غضب، فتسوء حياته أكثر.

تحمل كل شخصية في الفيلم مأساتها الخاصة وتتقبلها بهدوء، كما في المآسي الشكسبيرية المستقاة نسبة كبيرة منها من التراث الأوربي العتيق. تبدأ تراجيديا الفيلم بالمرأة العجوز الشبيهة بالجنيات، التي تزور العائلة وتجلس كغراب البين. يعود البطل للمنزل ليخبر أخته أن صديقه يرفض الحديث معه، ثم تظهر العجوز في النهاية متنبئة بوضوح أن هناك اثنين من أهل الجزيرة سيموتون، تاركة خيمة من الحزن والترقب على الرؤوس.

 

دراسة في شخصية الرجل الوحيد

ركز المخرج مارتن ماكدونا في فيلمه السابق “3 لوحات إعلانية خارج إيبينغ، ميسوري” (Three Billboards Outside Ebbing, Missouri) على شخصية الأم الثكلى، لكن في عمله الجديد يعكس الوضع حيث تتأسس القصة على شخصيات من الرجال، وعلى الوحدة التي يعانونها ولا يستطيعون التعامل معها بصورة إيجابية.

جاءت عزلة الجزيرة باعتبارها مجازا للعزلة النفسية للشخصيات الذكورية لكل من بادريك ودومينيك وكولم (الممثل بريندان جليسون).  كانت البداية من كولم الذي هجر صديقه ليستسلم نهائيًا للاكتئاب والوحدة.

يبحث الرجل عن مشروع يخلده، لأنه لا يرى سوى الموت أمامه، لم تكن أفعاله العنيفة إلا صرخات نجدة من وطأة الاكتئاب الذي يرزح تحت ثقله.

بادريك لا يستوعب معنى الوحدة، لذلك يتعذب بشعور لا يعي كنهه، وحين يفقد كل صلاته الأخرى برحيل أخته وموت حماره الصغير يتحول شعوره السلبي بالوحدة إلى الغضب لأول مرة، غضب حارق بشكل فعلي لا مجازي.

يعاني دومينيك المراهق الوحيد اعتداءات والده شرطي الجزيرة القاسي، الأمر الذي يجعل طباع الشاب غريبة في عيون أهل الجزيرة، فينبذونه بدلًا من مساعدته.

وتنظر شخصيات الفيلم -التي تعاني الوحدة المريرة والأزمات الوجودية- إلى الحياة عبر وجهتي نظر مختلفتين في الحياة، الأولى لا ترى في الوجود الإنساني الفردي سوى فرصة لترك علامة في تاريخ البشر، وذلك عبر إسهامات فذة، وهي تلك التي يتبناها كولم الذي يشعر أن حياته راحت هباء ولن يتذكره شخص بعد موته.

في الكفة الثانية من الميزان التي يمثلها بادريك، ترى أن الأثر الأهم الذي يتركه الإنسان خلفه هو اللطف والمحبة، فهو لا يزال يتذكر والدته ووالده الراحلين وسيظل يذكرهما دائمًا لحبهما وحنانهما، وهما يعيشان بداخله وبداخل غيره، وهو لا يرغب في شيء سوى أن يصبح شخصا محبوبا ولطيفا، لذلك يروعه فقدانه الصداقة.

 

فيلم جنيات إينشيرين من أكثر الأفلام حساسية في تناوله وحدة الرجل سواء المعاصر أو القديم، ويعده كثيرون أفضل أعمال المخرج مارتن ماكدونا، وقد حصل على تقييم 98% على موقع “روتن توميتوز” ( Rotten Tomatoes) مع ثناء كبير على أداء أبطاله المتوقع ترشحهم لجوائز الأوسكار هذا العام.

المصدر : الجزيرة

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى