الأخبارالسودان

قوة تشكلت في الكهوف.. كيف قاد الحزب الشيوعي الصيني حرب المقاومة الشعبية ضد العدوان الياباني

قوة تشكلت في الكهوف.. كيف قاد الحزب الشيوعي الصيني حرب المقاومة الشعبية ضد العدوان الياباني

في الصورة الملتقطة يوم 27 يونيو 2023، قاعة يانآن التذكارية الثورية في مدينة يانآن بمقاطعة شنشي بشمال غربي الصين. (شينخوا)
في الصورة الملتقطة يوم 27 يونيو 2023، قاعة يانآن التذكارية الثورية في مدينة يانآن بمقاطعة شنشي بشمال غربي الصين. (شينخوا)

وكالة أنباء شينخوا : العهد اونلاين

على الرغم من أن يانآن، التي تقع في هضبة اللوس بشمال غربي الصين، مدينة صغيرة نسبيا، إلا أنها تعد بمثابة متحف شاسع للإرث الحي للحرب العالمية الثانية، إذ تحتضن مواقع كانت ذات يوم مخيمات عسكرية ومراكز قيادة وكليات عسكرية ومدارس لتثقيف الجنود اليابانيين الأسرى في زمن الحرب.
وبعد المسيرة الطويلة (1934-1936)، أصبحت يانآن قاعدة قيادية للحزب الشيوعي الصيني لمدة عشر سنوات تقريبا من عام 1937 إلى عام 1947. وأصبحت مناظرها الطبيعية المتمثلة في المنازل الكهفية المحفورة في الأرض القاحلة المقر الرئيسي الذي قاد منه الحزب الشيوعي الصيني المقاومة ضد العدوان الياباني.
وفي عام 1936، جاء الصحفي الأمريكي إدغار سنو إلى يانآن، وغادرها بثروة من اللقاءات الصحفية والصور، التي شكلت لاحقا الأساس لكتابه “النجم الأحمر فوق الصين”، الذي عرّف العالم بهذا المعقل “الغامض”. وكتب سنو عن العزم الذي لا ينثني على محاربة اليابانيين، و”التضامن الصلب” بين أبناء المنطقة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

في الصورة الأرشيفية الملتقطة عام 1936، الصحفي الأمريكي إدغار سنو (الأول من اليمين) في رحلة لإجراء لقاءات صحفية في المناطق الشمالية من مقاطعة شنشي بشمال غربي الصين. (شينخوا)
في الصورة الأرشيفية الملتقطة عام 1936، الصحفي الأمريكي إدغار سنو (الأول من اليمين) في رحلة لإجراء لقاءات صحفية في المناطق الشمالية من مقاطعة شنشي بشمال غربي الصين. (شينخوا)

وقالت ليو فان تشاو، الباحثة في أكاديمية الكوادر في يانآن بمقاطعة شنشي، إنه مع استمرار الحرب، أصبحت يانآن تدريجيا مركز القيادة، وتمكنت القوات والميليشيات التي يقودها الحزب الشيوعي الصيني من هزيمة أكثر من 60 في المائة من القوات اليابانية التي غزت الصين.
وأردفت أنه مع تقدم حرب المقاومة، توسعت القواعد التي قادها الحزب الشيوعي الصيني لتمتد على مساحة تقارب مليون كيلومتر مربع، وكانت ملجأ لمائة مليون شخص، أي حوالي ربع سكان البلاد آنذاك.

— حرب خاضها الشعب
على الرغم من بساطته المبالغة، إلا أن كهف ماو تسي تونغ الرابض في موقع يانغجيالينغ الثوري في يانآن يعد مقصدا سياحيا شهيرا الآن. هنا، وسط هضبة اللوس القاحلة، صرح ماو تسي تونغ للصحفية الأمريكية آنا لويز سترونغ بمقولته الشهيرة “جميع الرجعيين نمور من ورق”.
وقالت ليو تينغ، موظفة بموقع يانغجيالينغ، إن هذا التصريح أكد إيمان ماو تسي تونغ الراسخ بالانتصار النهائي للمقاومة الشعبية على الخصوم.
وفور وقوع حادثة 18 سبتمبر 1931، التي مثلت بداية الغزو الياباني للصين الذي استمر 14 عاما، أصدر الحزب الشيوعي الصيني بيانا لمعارضة الغزو الياباني. وفي عام 1935، دعا الحزب إلى تشكيل جبهة موحدة للتصدي للعدوان الياباني.
وقالت تساو رونغ، باحثة في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني في أكاديمية الكوادر في يانآن بمقاطعة شنشي، إن الحزب الشيوعي الصيني عمل بشكل نشط على تعزيز ودعم الجبهة المتحدة، وحشد قوى الأمة بأكملها.
ومع وجود يانآن كمركز توجيهي، وتحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، نفذ جيش الطريق الثامن والجيش الرابع الجديد والقوات المسلحة الأخرى حرب عصابات في المناطق الريفية الشاسعة.

معروضات في متحف تايهانغ التذكاري لجيش الطريق الثامن في محافظة ووشيانغ في تشانغتشي بمقاطعة شانشي بشمالي الصين. (شينخوا)
معروضات في متحف تايهانغ التذكاري لجيش الطريق الثامن في محافظة ووشيانغ في تشانغتشي بمقاطعة شانشي بشمالي الصين. (شينخوا)

وفي عام 1941، انضم تشانغ شين في الرابعة عشر من عمره إلى جيش الطريق الثامن، وقال مستذكرا: “احتل اليابانيون العديد من المدن، لذلك ذهبنا إلى الريف لإنشاء قواعد هناك، إذ كان الريف شاسعا للغاية”.
لا يزال المحارب المخضرم ليو يي تشو، البالغ من العمر الآن 100 عام، يحمل ندوبا خلفتها الحرب على رأسه وظهره ويديه. قال مستذكرا: “في كل معركة، إما أن يصاب شخص أو يقتل. كانت سريتنا قوامها نحو 150 رجلا، وكنا نعتبر أنفسنا محظوظين إن عاد منهم 40 فقط. كل ما كنت أتمناه آنذاك هو طرد الغزاة اليابانيين من بلادنا”.
سرعان ما أدركت القوات اليابانية قوة خصمها، ففي معركة جبال تايهانغ، حاول اليابانيون القضاء على جيش الطريق الثامن الذي قاد الهجمات، ليجدوا أنفسهم مضطرين لتغيير القادة. وتم استدعاء الضابط الياباني نوريهيدي آبي، الذي كان يعرف بكونه خبيرا في حروب الجبال. وقُتل فور وصوله، ليصبح أعلى ضابط ياباني رتبة يقتل على يد جيش الطريق الثامن.
كانت إحدى أكبر الصعوبات التي واجهها الغزاة اليابانيون هي أن القرى كانت منظمة من قبل جيش الطريق الثامن، حيث تظاهر القرويون بالخضوع للجيش الياباني، لكنهم كانوا يقدمون المعلومات الاستخبارية سرا وينقلون الإمدادات إلى جيش الطريق الثامن، بل وحملوا الأسلحة للقتال إلى جانبهم.
في جميع مناطق القواعد، حشد الحزب القرويين لتشكيل فرق دفاعية. ووصل عدد أعضاء الميليشيات إلى حوالي 2.6 مليون شخص.
وأبدى هيسايتشي تيراوتشي، قائد جيش شمالي الصين الياباني آنذاك، أسفه للخسائر الفادحة التي تكبدها جيش الطريق الثامن والميليشيات المحلية. وأقر تيراوتشي بأن هذه القوات أصبحت أكثر تماسكا وتنظيما بفضل عملياتها النشطة، مشيرا إلى أن ما يُعرف بـ”المناطق الآمنة” لم تكن سوى مناطق تمتد لبضعة كيلومترات على جانبي طرق النقل الرئيسية.
وأوضح المؤرخ إيسي هيروناكا من جامعة آيتشي غاكوين اليابانية، أن جيش الطريق الثامن فرض سيطرته بقوة على القوات اليابانية في شمالي الصين، مستنزفا قوتها ومانعا إنهاء الحرب بسرعة.
وأكد هيروناكا أنه لو تمكن اليابانيون من قمع جيش الطريق الثامن، لما استمرت الحرب لفترة طويلة ولكانت انتهت بنتائج مختلفة تماما.
وحذر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل قائلا “إذا شن اليابانيون هجوما على غرب المحيط الهندي، فسنفقد جميع مواقعنا في الشرق الأوسط، والصين وحدها هي القادرة على مساعدتنا في منع حدوث ذلك”.
لكن الثمن كان باهظا. ففي إطار محاولاته للقضاء على القوات التي يقودها الحزب الشيوعي الصيني، شنّ الجيش الياباني “عمليات تطهير” وحشية. وخلال إحدى هذه العمليات في مايو 1942، أودى الغاز السام بحياة نحو 1000 جندي ومدني في محافظة دينغشيان بمقاطعة خبي بشمالي الصين.
وقال لي تسونغ يوان، أمين متحف الحزب الشيوعي الصيني “ابتداء من أكتوبر 1938، ركز الغزاة اليابانيون قواتهم الرئيسية بشكل متزايد على قتال جيش الطريق الثامن والجيش الرابع الجديد، لكن ذلك لم يوقف توسع القوات المسلحة التابعة للحزب”.
وأضاف لي أنه مع نهاية الحرب، ارتفع عدد جنود جيش الشعب إلى نحو 1.32 مليون جندي، وتمكنوا من القضاء على أكثر من 1.71 مليون جندي ياباني وحلفائهم.
أما ليو فان تشاو، فأكدت أن “الجيش الياباني وجد نفسه غارقا في حرب شعبية على الأراضي الصينية، ولم يعد قادرا على تخصيص مزيد من القوات لساحة المحيط الهادئ”، مضيفة أن “إصرار الحزب الشيوعي الصيني على خوض الحرب ألهم الشعب بأسره، ومنع أي محاولة للاستسلام”.

— منارة أمل
يحتضن جبل فينيكس، أو فنغهوانغشان باللغة الصينية، في يانآن العديد من الكهوف الطينية. وفي هذا المكان عام 1938، كتب ماو تسي تونغ ما سيصبح لاحقا مخططا لكسب الحرب.
في مقاله بعنوان “حول الحرب المطولة”، وضع ماو تسي تونغ تصورا لمراحل الحرب، محددا ثلاث خطوات: الدفاع الاستراتيجي، والجمود الاستراتيجي، ثم الهجوم المضاد الاستراتيجي. وقالت ليو فان تشاو “لقد تجاوزت رؤية الزعيم ماو حدود الكهوف الضيقة، فاستوعب المشهد كاملا. وكان يؤمن بأن الشعب، لا الجيوش وحدها، هو من سيصنع النصر”.

في الصورة الملتقطة يوم 8 مايو 2021، موقع ثوري سابق في جبل يانغجيالينغ في مدينة يانآن بمقاطعة شنشي بشمال غربي الصين. (شينخوا)
في الصورة الملتقطة يوم 8 مايو 2021، موقع ثوري سابق في جبل يانغجيالينغ في مدينة يانآن بمقاطعة شنشي بشمال غربي الصين. (شينخوا)

كانت فترة يانآن محطة فارقة في تطور فكر ماو تسي تونغ، تلك الأيديولوجية التي أصبحت راية نظرية قادت البلاد نحو النصر، وأسست لبناء الصين الجديدة، مما جعل يانآن من “منارة” لمستقبل البلاد.
وباعتبارها مركزا سياسيا في تلك الحقبة، جذبت يانآن آلاف الكتّاب والفنانين والعلماء والشباب المتحمسين الذين تمكنوا من عبور خطوط العدو. كما خرج من مؤسساتها آلاف الكوادر المدربة على حرب العصابات.
كتب الشاعر خه تشي فانغ عام 1938 “أبواب يانآن مفتوحة طوال اليوم. يصل الشباب حاملين أمتعتهم، والأمل يضيء عيونهم”.
وفي كتاباته عن تلك المرحلة، قال المؤرخ البريطاني رانا ميتر إن مكانة يانآن الراسخة كمنارة للمقاومة الراديكالية، جذبت نحو مائة ألف مهاجر بين عامي 1937 و1940.
وكان الرئيس الأمريكي فرانكلين د. روزفلت قد أجرى محادثات مع الصحفي إدغار سنو، ما أتاح له فهم الوضع في يانآن. وفي وقت لاحق، أرسلت إدارته بعثة مراقبة عسكرية أمريكية، عُرفت باسم “بعثة ديكسي”، إلى يانآن عام 1944.
ولا تزال “فنادق الكهوف” التي استضافت أفراد بعثة ديكسي قائمة حتى اليوم في مدرسة يانآن الإعدادية، حيث تُظهر للزوار التعاون الصيني-الأمريكي في مجالات شتى مثل الاتصالات والنقل والاستخبارات وحرب العصابات ومراقبة الطقس والهدم وتطوير الأسلحة. وقد أشادت التقارير الأمريكية بما جرى في يانآن، مسلطة الضوء على ما تميزت به من ممارسات سياسية ديمقراطية.
وفي عام 1942، أطلق الحزب الشيوعي الصيني حركة تصحيحية على نطاق الحزب كله لمعالجة النزعة الذاتية والطائفية والكتابة الحزبية الجامدة. وقالت لو شياو نا، المحاضرة في كلية التاريخ والثقافة بجامعة شانشي “إن تعزيز بناء الحزب كأولوية خلال الحرب قدم له الضمانة السياسية ليكون الركيزة الأساسية في حرب المقاومة”.
وأضافت: “أثبت الحزب الشيوعي الصيني، الذي تمسك بالأمل والمثابرة طوال سنوات الحرب، أن أمة متحدة قادرة على هزيمة أي غزاة”.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى