مقالات

«قلبي أصلو ما رادك»… حين يتحوّل الرفض إلى جملة جارحة

هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

في فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد الكلمات مجرّد وسيلة للتعبير، بل أصبحت أحيانًا أدوات حادّة تُقال بلا تفكير في أثرها. من بين أكثر العبارات تداولًا في سياق الرفض العاطفي أو الاجتماعي جملة: «قلبي أصلو ما رادك». عبارة قصيرة، لكنها محمّلة بدلالات قاسية تتجاوز معناها المباشر.

هذه الجملة لا تقول فقط إن المشاعر غير متبادلة، بل تُغلق الباب تمامًا، وتُنهي الحوار من طرف واحد، وكأن الطرف الآخر لم يكن سوى محاولة غير جديرة بالتفكير. هي صيغة رفض لا تترك مساحة للاحتواء أو الاحترام، بل تُشعر المتلقي بأن المشكلة فيه هو، لا في اختلاف المشاعر.
في المجتمعات الرقمية، حيث تغيب نبرة الصوت وتعابير الوجه، تصبح الكلمة أكثر حدّة. ما قد يُقال مازحًا أو ببرود

في الواقع، يتحوّل على الشاشة إلى حكم قاطع. ومع كثرة التكرار، تبدأ مثل هذه العبارات في التطبيع مع القسوة، وكأن الفظاظة صارت دلالة على القوة والوضوح، بينما الحقيقة أنها غالبًا علامة على فقر في التعبير.

اللافت أن الرفض بحد ذاته ليس المشكلة. من حق أي شخص أن يختار، وأن يقول «لا» متى شاء. المشكلة في الكيفية. فهناك فرق شاسع بين قول: «ما في قبول» أو «ما حاسس بتوافق»، وبين جملة تحمل إلغاءً صريحًا لمشاعر الآخر. الأولى ترفض العلاقة، والثانية ترفض الشخص.

علم النفس الاجتماعي يشير إلى أن الإنسان لا يتأذى من الرفض بقدر ما يتأذى من الإهانة المصاحبة له. الرفض الواضح والمحترم يُغلق الجرح بسرعة، أما الرفض الجارح فيترك أثرًا طويل الأمد، قد يتحوّل إلى شك في الذات أو عزوف عن المحاولة مرة أخرى.

في زمن السرعة والردود المختصرة، ربما نحتاج إلى تذكير بسيط: اللطف لا يكلّف شيئًا. والكلمة التي نكتبها في ثوانٍ قد تبقى في ذاكرة شخص آخر لسنوات. ليس مطلوبًا أن نحب الجميع، لكن المطلوب — على الأقل — ألا نكسرهم ونحن نعتذر عن الحب.
فهل نحتاج فعلًا إلى قول «قلبي أصلو ما رادك»؟
أم أن الإنسانية تمنحنا دائمًا خيارات أهدأ… وأبقى؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى