قراءة في تداعيات الانفلات السلوكي العسكري داخل الاحياء السكنية: حادثة حي دردق نموذجا
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | حديث الوطن

في البيئات الهشة امنيا، لا تحتاج الازمات الكبرى الى مقدمات معقدة؛ اذ يكفي خلاف فردي بسيط ليتحول، في ظل غياب الانضباط، الى تهديد مباشر للاستقرار المجتمعي. هذا تماما ما جسدته احداث حي دردق بمدينة ود مدني، حين تصاعد نزاع محدود حول ملكية دراجة نارية الى حالة توتر امني واسع، اختلطت فيها مظاهر القوة العسكرية بردود الفعل الشعبية، وانتهت باطلاق نار في الهواء وبث حالة من الذعر وسط المدنيين.
تكمن خطورة هذه الحادثة في انها لم تكن نتيجة عملية عسكرية او تهديد امني منظم، بل جاءت نتيجة سلوك فردي غير منضبط داخل قوة مسلحة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: الى اي مدى تملك هذه التشكيلات القدرة على ضبط عناصرها، خاصة عند الاحتكاك المباشر مع المجتمع المدني؟
من منظور عسكري احترافي، فان ما حدث يمثل اخلالا واضحا بمبادئ قواعد الاشتباك داخل المناطق الحضرية، والتي تقوم اساسا على التدرج في استخدام القوة، واحترام الاختصاصات القانونية، وتجنب اي استعراض غير مبرر
للسلاح. ان تحرك مجموعة مسلحة للقبض على مواطن خارج القنوات الرسمية لا يعكس فقط ضعف الانضباط، بل يشير ايضا الى خلل في فهم طبيعة المهمة الامنية داخل المدن، حيث لا يقاس النجاح بفرض السيطرة بالقوة، بل بالقدرة على ادارة الموقف دون تصعيد.
كما تكشف الحادثة عن ثغرة في منظومة القيادة والسيطرة، وهي العمود الفقري لاي تنظيم عسكري. فانتقال الخلاف من حادثة فردية الى تحرك جماعي، ثم الى فوضى ميدانية، يدل على غياب اليات الاحتواء المبكر، وضعف الرقابة القيادية على تحركات الافراد. وفي البيئات المدنية، فان اي تاخير في السيطرة على السلوك الفردي قد يفتح الباب لانفلات اوسع يصعب احتواؤه لاحقا.
الاكثر حساسية في المشهد كان ادخال عنصر السلاح الثقيل في محيط مدني. فمجرد ظهور عربة مزودة بسلاح مثل الدوشكا داخل حي سكني، حتى دون استخدامه المباشر، يمثل رسالة تصعيدية خطيرة، ترفع مستوى التوتر وتزيد احتمالات سوء التقدير. كما ان اطلاق النار في الهواء، رغم استخدامه احيانا كوسيلة تفريق، يظل في السياق المدني سلوكا عالي المخاطر، لما يحمله من اثار نفسية مباشرة على السكان، ولما قد يسببه من تدافع او ردود فعل غير محسوبة.
ورغم هذا التصعيد، فان تدخل الشرطة العسكرية التابعة للفرقة الاولى ونجاحها في احتواء الموقف يشكل نقطة ارتكاز ايجابية، تعكس قدرة المؤسسة العسكرية على استعادة الانضباط وفرض القانون الداخلي. كما ان اعلان توقيف عدد من الافراد، بينهم ضابط، يعزز من مبدأ المساءلة. غير ان هذه المعالجات، على اهميتها، تبقى ذات طابع علاجي، في حين ان التحدي الحقيقي يكمن في بناء منظومة وقائية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث من الاساس.
ان حادثة حي دردق لا ينبغي النظر اليها باعتبارها واقعة معزولة، بل كمؤشر على الحاجة الملحة لاعادة ضبط العلاقة بين القوة والمجتمع داخل البيئات المدنية. فالمناطق السكنية ليست ساحات اشتباك، بل فضاءات اجتماعية حساسة، واي خطا في تقدير استخدام القوة قد يترك اثارا عميقة على الثقة العامة والاستقرار المحلي.
في المحصلة، تؤكد هذه الحادثة ان التحدي الحقيقي امام اي قوة نظامية او مساندة لا يقتصر على اداء المهام، بل يمتد الى كيفية استخدام القوة بشكل منضبط ومسؤول. فالقوة المنضبطة تحمي المجتمع، اما القوة المنفلتة فتهدده، مهما كانت نواياها.




