مقالات

في اليوم العالمي للمرأة… المرأة المتصوفة: سكينة الروح وعطاء لا ينقطع

هدى الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

في الثامن من مارس من كل عام يحتفي العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، احتفاءً بدور المرأة في بناء المجتمعات وصناعة الحياة، غير أن ثمة نساءً يعشن في هدوءٍ بعيد عن الأضواء، لا يطلبن شهرةً ولا يسعين إلى منصب، ومع ذلك يتركن أثراً عميقاً في الأرواح والبيوت والقلوب. إنهنّ النساء المتصوفات؛ أولئك اللاتي حملن مشاعل المحبة الإلهية،

وربّين أجيالاً على الأدب والرحمة والزهد، وصنعن من البساطة مدرسةً في الأخلاق ومن العطاء منهجاً للحياة.
المرأة المتصوفة ليست مجرد شخصية دينية في ركن من أركان المجتمع، بل هي روحٌ حيّة تسري في تفاصيل الحياة اليومية. تراها في زوايا المساجد، وفي ساحات الذكر، وفي بيوتٍ صغيرة تحولت إلى تكايا عامرة بالخير والبركة. هناك، حيث يتجمع الفقراء والعابرون وأصحاب الحاجات، تفتح المرأة المتصوفة قلبها قبل بابها، وتقدم ما تيسر من الطعام والرحمة والكلمة الطيبة، وكأنها تعيد تعريف معنى الكرم الإنساني في أبسط صوره وأصدقها.

إن أمهات الفقراء وربات التكايا هنّ صفحات مضيئة في كتاب المجتمع. لم يكتبن أسماءهن في عناوين الصحف، ولم تُرفع لهنّ منصات التكريم، لكن التاريخ الحقيقي للناس محفوظ في ذاكرة القلوب، لا في الأرشيفات. كم من جائعٍ وجد عندهن لقمةً وسنداً، وكم من يتيمٍ وجد حضناً دافئاً، وكم من مكسور الخاطر وجد كلمة تداوي جراحه. فالعطاء عندهن ليس واجباً اجتماعياً فحسب، بل هو عبادة وسلوكٌ نابع من يقينٍ عميق بأن الخير لا يضيع عند الله.

وفي حلقات القرآن، تتجلى صورة أخرى من صور المرأة المتصوفة؛ صورة المعلمة الصابرة التي تجلس بين الأطفال والشباب، تفتح المصحف بوقارٍ وتغرس في القلوب حب كلام الله قبل حفظه. تلك المعلمات لم يكن التعليم عندهن وظيفة، بل رسالة. كنّ يعلّمن التلاوة، ويزرعن معها الأدب والسكينة والحياء، حتى يصبح القرآن في حياة تلاميذهن منهجاً للسلوك قبل أن يكون نصاً محفوظاً.

وفي أحياء المدن والقرى، تقف المرأة المتصوفة أيضاً في مقام الفقيهة الحكيمة؛ المرأة التي يلجأ إليها الناس بالسؤال والمشورة. ليست فقيهة بالضرورة من حيث الشهادات الأكاديمية، لكنها فقيهة بالحكمة والتجربة ونقاء القلب. تعرف كيف توازن بين النص وروح الشريعة، وبين القاعدة والرحمة، فتصبح مرجعاً اجتماعياً وأخلاقياً في محيطها، يثق بها الجميع ويطمئنون لكلمتها.

ولعل أجمل ما يميز هؤلاء النساء هو ذلك الخُلق الرفيع الذي يتجسد في حياتهن اليومية. لقد علّمن الأجيال معاني الأدب والتواضع والزهد، وعلّمن الناس كيف يخفض المرء جناحه للآخرين، وكيف يكون اللطف قوةً لا ضعفاً. كنّ يربين أبناء الحي على احترام الكبير، وعلى حسن الجوار، وعلى أن الإنسان بقيمه لا بمظاهر حياته.

إن المرأة المتصوفة، في جوهرها، مدرسة إنسانية كاملة. لا ترفع شعاراً لكنها تصنع أثراً، ولا تتحدث كثيراً عن الفضائل لكنها تجسدها في سلوكها اليومي. ولذلك بقيت سيرتهن حيّة في ذاكرة المجتمعات، يتناقلها الناس كما تُروى الحكايات الجميلة التي تمنح الأمل وتبعث الطمأنينة.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الحياة وتغلب فيه المظاهر على الجوهر، تظل صورة المرأة المتصوفة تذكيراً هادئاً بأن

البساطة يمكن أن تكون طريقاً للعظمة، وأن خدمة الناس أعظم من أي لقب أو منصب. فهنّ النساء اللاتي آثرن غيرهن على أنفسهن ولو كان بهن خصاصة، ووهبن أعمارهن لزرع الخير في القلوب.
تحية إعزازٍ وفخرٍ للمرأة المتصوفة في يوم المرأة العالمي؛
تحية لأمهات الفقراء، وربات التكايا، ومعلمات القرآن، وفقيهات الأحياء.

تحية لأولئك اللاتي صنعن من الرحمة أسلوب حياة، ومن الإخلاص طريقاً لا ينقطع.
والإخلاص لأرواح من مضين منهن وقد تركن في الأرض أثراً طيباً، والدعاء بالصحة والعافية لمن بقين بيننا، يواصلن مسيرة العطاء بصمتٍ ونور.
فهنّ، بحق، خالداتٌ في ذاكرة التاريخ والأزمان.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى