مقالات

فائز الزاكي يكتب : قلب الوطن الأبيض… ملائكة الرحمة في زمن الحرب

فائز الزاكي يكتب : قلب الوطن الأبيض… ملائكة الرحمة في زمن الحرب

 

في الغرف التي تحفظ صدى الأنين، ويثقل هواؤها بوجعٍ لم يهدأ يوماً، يصبح الأبيض لوناً آخر تماماً. ليس لون الميلاد ولا لون النقاء، بل لون الانسانية حين تتكشّف، ولون الشجاعة حين تتخفّى تحت ضوء خافت ورائحة تعقيم. الأبيض هنا ليس مجرد معطف، ولا شاشاً يلف يد طفل، بل شاهدٌ حيّ على معركة يخوضها أبطال بلا ضجيج.

هؤلاء هم أصحاب المعاطف البيضاء… الذين سماهم الناس ملائكة الرحمة، لأن الرحمة هي الشيء الوحيد الذي لا ينفد منهم مهما ضاقت بهم الحياة، ولأنها كانت وما زالت أقوى أسلحتهم.

في السودان، حيث الحرب مزّقت المدن وأطفأت الكثير من أنوارها، وقف الأطباء في الصف الأول. لم يسألوا من أين يأتي الخطر ولا إلى أين يمضي. وقفوا لأن حياة إنسان لا تُترك خلف الركام، ولا على بوابة مستشفى مهدّم، ولا في خيمة يشتعل حولها صوت البنادق.

كان الطبيب هناك…
يُمسك يد الجريح كأنها آخر ما تبقى من الوطن،
يسند كتف المريض كأنه يسند قلبه،
ويضع السماعة على صدر الخائف كأنه يبحث عن نبضٍ للوطن ذاته.

كان الأطباء أول من تقدّم الصفوف وآخر من غادر الميدان.

لم تكن المستشفيات مجرد أماكن للعلاج، بل كانت نقاط ضوء صغيرة تقاوم عتمة واسعة. كانوا يداوون الجروح، ويُسكّنون الألم، ويواسون الأمهات، ويُهدّئون الأطفال، ويحرسون الحياة في أكثر لحظاتها هشاشة. تجاوزوا حدود واجباتهم، لأن الواجب في زمن الحرب يصبح أكبر من القانون وأوسع من الوصف.
أصبح الطبيب صديقاً، وأخاً، ومقاتلاً بلا سلاح، وانحنى ليحرس حياة لا تُقاس بالأجر ولا بالساعات.

وفي الممرات التي يتكدّس فيها الخوف، كانوا يقفون بثبات مدهش.
يعرفون أن رصاصة طائشة قد تهدم غرفة، وأن الكهرباء قد تنقطع في لحظة حاسمة، وأن الدواء قد ينفد، وأن الطريق إلى المستشفى قد يتحول إلى فخّ.
ورغم ذلك… جاؤوا.
كل صباح، وكل مساء، وكل ليلة طويلة لم تنتهِ بعد.

لم يحاربوا من أجل سلطة أو نفوذ، بل من أجل نبض… نبضٍ واحد يكفي ليقول إن الحياة ما زالت قادرة على الاستمرار.

كانوا يقفون في وجه الخراب، وفي جيوبهم سماعة، وعلى أكتافهم معطف أبيض، وفي قلوبهم وطنٌ كامل.
لم تسعهم المستشفيات، فصنعوا من الممرات غرفاً، ومن السيارات عيادات، ومن الطين طاولات عمليات حين ضاق الحال.
كان الجريح يبحث عن عينٍ متفائلة، فيجدها عند طبيب يقاوم التعب والإنهاك ليبتسم.
وكانت الأم تُمسك طفلها المرتجف من الخوف، فيأتيهم طبيب يهمس: “سننقذه”، ولو قالت كل الظروف عكس ذلك.

لقد دفعوا ثمناً كبيراً:
أعماراً من الإرهاق،
وساعات لا تنتهي من السهر،
وجروحاً لا تُرى في الروح.
لكنهم ظلّوا، لأنهم اختاروا أن يظلّوا.

لكن الحرب لم ترحم حتى هؤلاء.
لم يُعاملوا كمدنيين، ولا كحماة حياة، بل كأهداف.
استُهدف الأطباء مباشرة، وقُصفت المستشفيات، وداهمت المليشيات غرف العمليات، وسقط المئات منهم شهداء وهم يؤدون واجبهم المقدس.
ماتوا وهم يُسعفون،
وماتوا وهم يضغطون على جرح،
وماتوا وهم يحملون شخصاً لا يعرفونه،
وماتوا لأنهم اختاروا الحياة رغم أن الموت كان حولهم من كل اتجاه.

لم تكن تلك مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الحرب، بل خسارات روحية تُفقد السودان بعضاً من أسمى ما لديه:
أطباؤه… الذين حملوا أرواح الآخرين فوق أرواحهم.

ورغم ذلك، لم يتراجع من بقي منهم.
لم يتركوا مواقعهم، ولم ينفضوا أيديهم من مسؤوليتهم.
واصلوا الليل بالنهار، يسدّون بعزيمتهم ما عجزت عنه الإمكانيات.
أصبح الطبيب ممرضاً، ومسعفاً، وحاملاً للجرحى، ومصلحاً للمعدات، ووسيطاً للسلام داخل غرفة مكتظة بالمتعبين والخائفين.

كانوا يعالجون المرضى، ويواسون الأهالي، ويحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حرائق المعارك، وفي الوقت نفسه يحافظون على إنسانيتهم وسط عالمٍ يريد انتزاعها بالقوة.

لقد أعاد أطباء السودان تعريف البطولة.
لم يحملوا السلاح، لكنهم واجهوا الموت مباشرة.
لم يرتدوا دروعاً، لكن قلوبهم كانت أصلب من الحديد.
لم يبحثوا عن مكسب، بل عن حياة… حياة واحدة تكفي لتبرير كل تضحياتهم.

في السودان، علّم الأطباء العالم درساً لا يُنسى: أن الإنسانية ليست شعاراً يُرفع، بل قبس يُشعل في أظلم لحظة. وأن المعطف الأبيض، مهما تلطخ بالدماء، يبقى أسمى راية تُرفع في وجه العبث.

هذه المقالة ليست مدحاً، بقدر ما هي امتنان.
امتنانٌ لهؤلاء الذين حملوا الوطن على أكتافهم وهم يركضون بين جريحٍ وآخر.
امتنانٌ لأصابعهم التي أعادت الحياة،
ولقلوبهم التي لم تتعب من الخفقان للآخرين،
ولأعينهم التي لم تبحث عن مجد، بل عن نجاة.

إلى ملائكة الرحمة في السودان:
لم تُنقذوا أجساداً فقط… بل أنقذتم معنى أن يكون الإنسان إنساناً.

سلامٌ على أرواح من رحلوا،
وانحناءة تقدير لمن بقي واقفاً،
يحرس نبض وطنه بيده اليمنى… وقلبه كله.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى