مقالات

فائز الزاكي حسن يكتب: النموذج الأحدث للبلطجة الأمريكية

فائز الزاكي حسن يكتب: النموذج الأحدث للبلطجة الأمريكية

 

لم يعد المشهد الدولي يحتاج إلى كثير شرح. رئيس دولة كبرى يخرج على الناس، بلا خجل ولا مواربة، ليعلن اختطاف رئيس دولة أخرى وزوجته، وكأن العالم غابة مفتوحة لا قانون فيها ولا سيادة ولا مواثيق. هكذا، وبجملة واحدة، أعاد دونالد ترامب تعريف العلاقات الدولية على مقاس القوة العارية، حيث تتحول الدول إلى رهائن، والقانون الدولي إلى حبر باهت لا يُقرأ إلا حين يخدم الأقوياء.

ما جرى ليس “عملية أمنية” ولا “إنفاذًا للعدالة” كما يُروَّج، بل فعل قرصنة سياسية مكتمل الأركان، يُنفّذ باسم الدولة ويُسوّق عبر منصات التواصل، في مشهد أقرب إلى أفلام العصابات منه إلى عالم يفترض أنه تحكمه الأمم المتحدة والشرعية الدولية. أن يُختطف رئيس دولة معترف بها، خارج أي مسار قضائي دولي، ثم يُقدَّم ذلك كإنجاز، فذلك إعلان صريح بانهيار ما تبقى من أخلاقيات النظام العالمي.

الأخطر من الفعل نفسه، هو الصمت الذي يلفّ العالم. صمت ثقيل، بارد، يكشف أن القانون الدولي ليس سوى أداة انتقائية، تُشهر في وجه الضعفاء، وتُطوى بعناية حين يكون المنتهك هو صاحب النفوذ. أين تلك البيانات الغاضبة؟ أين مجالس الطوارئ؟ أين الأصوات التي لا تتعب من الحديث عن السيادة وحقوق الشعوب؟ أم أن السيادة تُقاس بميزان القوة لا بميثاق الأمم؟

ترامب لم يخطف شخصًا، بل اختطف فكرة الدولة ذاتها. وجّه رسالة فظة لكل العواصم الصغيرة والمتوسطة: لا حصانة لأحد، ولا أمان لنظام، ما دام القرار النهائي يُصاغ في غرف القوة لا في قاعات القانون. إنها سياسة الترهيب العلني، حين تتحول البلطجة إلى “عقيدة حكم”، ويُصبح الاستعراض بديلاً عن الدبلوماسية.

أما الإعلام العالمي، فكثير منه انشغل بتفاصيل جانبية، وتعامى عن جوهر الجريمة: سابقة خطيرة تهدم آخر أعمدة النظام الدولي. لو كان الفاعل دولة غير غربية، لاهتز العالم، وامتلأت الشاشات بخطابات الشجب والعقوبات والتهديد. لكن حين تكون البندقية أميركية، يصبح الصمت لغة مشتركة، والتبرير مهارة محترفة.

اليوم فنزويلا، وغدًا أي دولة لا تسير في القطيع. الرسالة واضحة وقاسية: من يخرج عن الطاعة، يُختطف، يُحاصر، أو يُمحى اسمه من الجغرافيا السياسية. وبين هذا وذاك، يقف العالم متفرجًا، لا لأنه عاجز، بل لأنه اعتاد أن يرى الظلم حين لا يطرق بابه.

إنها لحظة كاشفة، لا لوجه السياسة الأميركية وحدها، بل لضمير العالم كله. لحظة تقول لنا إن العدالة الدولية عرجاء، وإن القوة ما زالت تُمسك بمقود التاريخ، وإن الشعارات الكبيرة تسقط أول اختبار حقيقي. وفي زمن كهذا، لا يكون السؤال: ماذا فعل ترامب؟ بل: أي عالم هذا الذي يسمح بأن يُعلن الخطف على الملأ… ثم يواصل المشاهدة؟.

ولمن يظن أن ما حدث سابقة، يكفي أن نفتح أرشيف الذاكرة القريبة. هذه ليست المرة الأولى التي تتصرف فيها واشنطن كقاضٍ وجلاد في آنٍ واحد. قبل أكثر من ثلاثة عقود، اختُطف رئيس بنما مانويل نورييغا تحت وابل القصف، أُحرقت العاصمة، وسُوِّيت أحياء كاملة بالأرض، ثم نُقل الرجل مكبّلًا إلى سجون الولايات المتحدة، في مشهد صُوِّر آنذاك كـ«انتصار للعدالة»، بينما كان في حقيقته إعلانًا مبكرًا بأن السيادة الوطنية مفهوم قابل للدوس متى ما تعارض مع المصالح الأميركية.

ثم جاء العراق، المثال الأكثر فجاجة. دولة كاملة أُخضعت للحصار حتى جاع أطفالها، ثم دُمِّرت بحجة أسلحة لم تُوجد، ونُصِّب الاحتلال وصيًا على بلدٍ عريق في التاريخ. خُطف رئيس، حُلّ جيش، فُتحت أبواب الفوضى، وقُدِّم الخراب على أنه “تحرير”. لم يُحاسَب أحد على الملايين الذين قُتلوا أو شُرِّدوا، ولم يُعتذر لأمة حُطِّمت بنيتها ودُفعت إلى هاوية لا قاع لها حتى اليوم.

والقائمة تطول: انقلابات دُبّرت في أميركا اللاتينية، أنظمة أُسقطت، دول عوقبت لأنها رفضت الانصياع، وأخرى كوفئت لأنها اختارت الصمت. في كل مرة، يتغيّر العنوان، لكن المضمون واحد: قوة ترى نفسها فوق القانون، وتتعامل مع العالم كخريطة مصالح لا كبشر ودول وحقوق.

ما يفعله ترامب اليوم ليس خروجًا عن النص، بل قراءة صريحة له بصوت عالٍ. هو فقط قال ما كانت الإدارات السابقة تفعله همسًا أو عبر وكلاء. الفرق أن الأقنعة سقطت، وأن البلطجة لم تعد تخجل من الإعلان عن نفسها.

وحين نربط فنزويلا ببنما، وبغداد بكاراكاس، ندرك أن المسألة ليست أسماء ولا أنظمة، بل منطق كامل يحكم السياسة الأميركية: من لا يخضع يُعاقَب، ومن يرفض يُكسر، ومن يقاوم يُختطف أو يُمحى.

في هذا السياق، يصبح صمت العالم أكثر فداحة من الفعل نفسه، لأن الغطرسة لا تعيش بالقوة وحدها، بل تتغذى على التواطؤ، وعلى اعتياد الظلم، وعلى عالم تعلّم أن يتفرج… ثم يغيّر القناة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى