
العيد هذا العام ليس عيدًا واحدًا، بل عيدان؛ فقد عادت إلى الخرطوم بعضٌ من روحها، وعاد إليها بعض أهلها. ليسوا جميعًا، لكن حضورهم كان كافيًا ليعيد للمدينة شيئًا من نبضها.
في سوق أم درمان، كل من التقيتهم تحدثوا عن اشتياقهم لتلك الزحمة، لتلك الوجوه، لذلك الإحساس بالاستقرار الذي كان يومًا عاديًا فأصبح حلمًا.
تتزين الخرطوم، ببيوتها وطرقاتها، لاستقبال عيد الفطر، وكأنها تحاول أن تمحو آثار الألم وتستعيد ملامح الفرح.
عيد فطر مبارك لكل أهل السودان، مع دعاء صادق أن تنعم بلادنا بالأمن والأمان، وأن يُرفع عنا بلاء هذه الحرب القاسية.
رغم مرارة الواقع، تشرق الوجوه بالفرح، وتمتلئ الأحاديث بالتفاؤل والصبر. هناك إصرار عجيب على الاستمرار، وشجاعة تُستمد من بيوت حزينة، ومن ذاكرة مثقلة بالفقد.
يعافر الناس من أجل عودة الغائب، ووصول المسافر، وشفاء المريض، وابتسامة الحزين… حتى تكتمل اللوحة بلمة سودانية دافئة في أمانٍ منتظر.
هذا العيد ليس كالأعياد التي استقبلناها على أصوات المدافع وأزيز الرصاص، ليس عيد الفجعة، بل هو عيد الأمل… وأمل السودانيين كبير، لا ينكسر.
هذه الأرض، كما قال محمود درويش، تستحق الحياة، وأرضنا بنيلها العظيم تستحق أن تُعاش فيها الحياة كاملة.
يحمل الناس جراحهم، يضمدونها بلصقة من الأمل، ويحيون أرواحهم بكلماتهم الطيبة وقلوبهم الدافئة.
وجوهٌ غسلتها مشقة النزوح ورهق اللجوء، ها هي اليوم تستريح قليلًا، تطوي صفحةً ثقيلة من الألم، وتفتح نافذة للرجاء.
يأتي العيد، فيذكّرنا بكل ما مرّ: أصوات الركض، والدموع، والخسارات التي لا تُنسى. لكنه، رغم ذلك، يأتي… حاملاً معه قدرة هذا الشعب على النهوض، وعلى صناعة الفرح حتى في أقسى الظروف.
ورغم أن هناك أماكن ما تزال تعاني، وقرىً تقف على حافة الانهيار، إلا أن الأمل لا يزال حاضرًا، يقاوم، ويُبقي الحياة ممكنة.
أيها العيد، أنت لا تجد البلاد كما تركتها، ولا تجد الفرح كما كان، لكن أهلها قرروا أن يصنعوه رغم كل شيء.
فكن مباركًا على السودان وأهله، أينما كانوا، وكيفما كانت أحوالهم.
مرحبًا بك أيها العيد…
عيد فطر مبارك، أيها الإنسان الصامد.





