
في ظل بشائر حكومة الأمل، وما تحمله من وعد باستعادة المعنى قبل استعادة السلطة، تبرز الحاجة إلى سؤال قديم متجدد: ما الذي ينبغي أن يسبق الحكم، القوة أم الحكمة؟ فالدول لا تقاس بصلابة قراراتها وحدها، بل بعمق الوعي الذي يقف خلف تلك القرارات، وبقدرتها على التمييز بين ما ينجز سريعا وما يبقى طويلا.
ليست ازمة السودان في غياب السلطة، بل في غياب الحكمة التي تسبقها وتضبط مسارها. فالسلطة، حين تمارس بلا بوصلة اخلاقية، تتحول من اداة تنظيم الى وسيلة هيمنة، ومن وظيفة عامة الى امتياز خاص. اما الحكمة، فهي ذلك الصوت الهادئ الذي لا يعلو، لكنه ان غاب اختلط الاتجاه، وتكاثرت القرارات، وقل المعنى.
في التجارب الانسانية الكبرى، لم تبن الدول المستقرة على وفرة القوة، بل على ترشيدها. القوة وحدها تسكت، لكنها لا تقنع، وتفرض، لكنها لا تلهم. والحكمة وحدها هي القادرة على تحويل السلطة من عبء الى مسؤولية، ومن غلبة الى خدمة. لذلك كانت الحكمة، عبر التاريخ السياسي، شرطا سابقا على الحكم، لا تابعا له.
بعد الحروب، تكون الدول اكثر عرضة للخطأ، لان الذاكرة مثقلة، والاعصاب مشدودة، والرغبة في الحسم اعلى من القدرة على التروي. هنا تحديدا، يصبح استدعاء الحكمة ضرورة وطنية لا ترفا فلسفيا. فالحكمة لا تعني التردد، بل تعني اختيار اللحظة الصحيحة، والوسيلة الاقل كلفة، والقرار الاكثر بقاء.
السلطة، بطبيعتها، تميل الى الاستعجال، لان الزمن السياسي ضاغط، والجمهور متعطش للنتائج. اما الحكمة، فتميل الى التمهل، لانها تنظر الى ما بعد القرار، لا الى اثره الآني فقط. الصراع بين الاثنين ليس صراع اشخاص، بل صراع مناهج في التفكير: منهج يرى النجاح في سرعة الانجاز، ومنهج يراه في سلامة العواقب.
وحين تقصى الحكمة من المجال العام، تظهر اعراض الدولة المرهقة: قرارات متناقضة، سياسات قصيرة النفس، وخطاب عام يبرر بدل ان يشرح. في هذه الحالة، تفقد السلطة قدرتها على الاقناع، وتضطر الى الاعتماد على ادوات اشد قسوة للحفاظ على تماسكها. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: مزيد من القوة لتعويض نقص الحكمة، ومزيد من الرفض نتيجة فائض القوة.
ان استعادة الحكمة لا تعني تعطيل الدولة، بل حمايتها من نفسها. وتعني اعادة الاعتبار للرأي المستقل، وللنصيحة غير المشروطة، وللضمير الذي لا يطلب منصبا ولا مكافأة. فالدولة التي تسمح بوجود عقل ناصح خارج دوائر القرار، هي دولة واثقة من نفسها، لا تخشى المراجعة، ولا تعتبر النقد تهديدا.
في السياق السوداني، تبدو الحاجة الى الحكمة اكثر الحاحا، لان الجراح لم تلتئم بعد، ولان التنوع لم يدر بعدالة كافية، ولان الذاكرة الجمعية ما زالت تبحث عن معنى لما حدث. هنا، لا تكفي السلطة وحدها لاغلاق الملفات، بل تحتاج الى حكمة تعيد ترتيب الاسئلة، وتمنح المجتمع فرصة للفهم قبل النسيان.
الحكمة، في جوهرها، ليست موقفا محايدا، بل انحياز واع للمستقبل. هي القدرة على رؤية الوطن اكبر من اللحظة، واوسع من الصراع، وابقى من الاشخاص. وحين تسبق الحكمة السلطة، يصبح الحكم خدمة، وتصبح الدولة وعدا، لا تهديدا، ومسارا للنهضة، لا ادارة للازمات.





