
“فلَّاحُ هذي الأرض، عمريَ حنطتي.. وبذرتُ أكثره، حصدتُ أقلَّه.. ستون موتاً بي وبعد مراهقٌ .. شيِّب سواي، فها دموعيَ طفلة”.. الشاعر أحمد بخيت..!
في مثل هذا اليوم من شهر مارس القادم – إن مد الله في عمري – سوف أبلغ عامي الخمسين. وسوف يختفي الرقم أربعون من جدول عمري كما تختفي القناعات القديمة بلا ضجيج يذكر..!
وأنا على أعتابها أشعر بمصالحة عميقة مع النفس، وأشعر أنني قد تعلمت أخيراً أن القوة ليست في جودة الحديث وصلابة المواقف، بل في معرفة متى نختار الصمت، ومتى نتسربل بالحياد..!
في العشرينات كنت أظن أن العالم ينتظرني، وفي الثلاثينات كنت أظن أن عليَّ أن أُثبت له شيئاً، وفي الأربعينات اكتشفت أن العالم مشغول بنفسه، وأن معركتي الحقيقية كانت ما تزال مع ذاتي ومع سقوف توقعاتي بشأن الآخرين..!
في العلاقات الإنسانية، كنت أخلط بين الجدارة والصدق. الآن أعرف أن الزواج ليس وعداً كبيراً يُقال مرة، بل تفاصيل صغيرة ينبغي أن تُعاد كل يوم حتى نحكم بأن الآخر جيد وجدير. وأن أفضل طريقة واقعية للاختيار هي أن نختار عيوب الشريك التي نعلم أننا سوف نقوى على احتمالها ..!
تعلمت كيف وكم أن بعض الناس يخرجون من حياتنا ليس لأنهم سيئون، بل لأن نسختنا الجديدة لم تعد تتسع لهم. وهذه ليست خيانة بل نضج ونمو وصدق مع الآخر نفسه..!
أما حب الذات، فكنت في شرخ الشباب أظنه أنانية. كنت أظن أن التضحية الدائمة فضيلة مطلقة، وأن تقديم نفسي في المرتبة الأخيرة هو الطريق إلى رضا الجميع. ثم أدركت متأخرة أن ظلم النفس ليس إيثاراً وتواضعاً، وأن الذي لا يمنح نفسه حقها لن يستطيع أن يمنح الآخرين ما يكفي لكي ينال رضاهم. حب الذات ليس تمركزاً حول الأنا، بل اعترافاً بقيمتها. هو أن أكون عادلة معي قبل أن أطلب العدل من غيري..!
لهذا ربما ظلت متعة العطاء عندي تفوق متعة الأخذ. كنت أجد في أن أكون سنداً، وكتفاً، ووقتاً مبذولاً، لذة عظيمة ومتعة خفية لا أطلع عليها أحداً. أما الآن فقد صرت أفهم أن العطاء الصافي لا يناقض حب الذات، بل ينبع منه. حين أمتلئ، أُعطي بفرح. وحين أفرغ، أتعلم أن أطلب دون خجل..!
أما تجربة الحرمان من الأمومة، فقد كانت في مطلعها امتحاناً وجودياً هائلاً، قاومتها أول الأمر بالحزن والسؤال، ثم هدأت الأسئلة. شيئاً فشيئاً خرجت منها بيقين هادئ، وتسليم وإيمان. أدركت بعد جدال طويل مع الحياة أن الأمومة ليست الشكل الوحيد للخصوبة، وأن للمرء وجوهاً متعددة للعطاء والاحتضان والرعاية..!
آمنت خاشعةً بأن ما كُتب لي هو الأفضل، ليس لأنه الأسهل، بل لأنه طريقي الخاص. وتعلمت أيضاً أن الأنوثة الحقيقية مسألة معقدة. أنوثة العشرينات كانت مشتعلة بالعجلة ومحاصرة بالخوف من الخسارة، وباستعجال النهايات، وبالإصرار على أن نصل سريعاً إلى تعريف واضح لأنفسنا ..!
اليوم أفهم أن اكتمال الأنوثة لا يحدث في مرآة الآخرين، بل في صلح داخلي عميق. أن الأنوثة الناضجة هي أن أعرف قيمتي دون إعلان، وأن أختار بأناة دون خوف، وأن أحب دون أن أفقد نفسي. هي هدوء في النظرة، وثقة في الخطوة، ورضا لا يحتاج إلى تصفيق. الأنوثة في الخمسين ليست أقل توهجاً لكنها أكثر وعياً، أقل اندفاعاً، وأعمق حضوراً..!
تعلمت أن النجاح أهدأ مما تخيلت، وأن الرضا أثمن من التصفيق. أن الانسحاب يكون أحياناً أكثر شجاعة من المواجهة، وأن الغفران تخفيف أوزان عن القلب، ورفع أثقال عن الوجدان، قبل أن يكون هدية للآخرين..!
على أعتاب الخمسين، لا أبحث عن صورتي أو قيمتي في عيون الآخرين ونفوسهم. يكفيني أن أكون متسقة مع معاييري الخاصة التي تكونت على أنقاض تلال من التجارب والخسارات. لا أخشى الشعيرات البيضاء ولا التجاعيد الصغيرة، فهي ليست إعلان هزيمة، بل شواهد حياة، دلائل نضج، وإشارات لطيفة نحو نصيبي من الحكمة..!
الوقوف على أعتاب الخمسين ليس نهاية الإحساس بالأنوثة والجمال، بل نهاية الهوس بالمحافظة عليهما والهلع من فقدانهما. وبداية مرحلة أقل صخباً، وأكثر وضوحاً. أقل خوفًا، وأكثر تفهماً لأخطاء الآخرين، وأكثر رأفة بالنفس، وامتناناً لله واقتراباً منه..!
في شهر مارس القادم – إن مد الله في عمري – سوف أحتفي بامرأة جرَّبت، وخسرت، وربحت، واشتعلت، وانطفأت، وازدهرت، وانكفأت، وتعلمت أن الرضا عن الحياة لا يقاس بعدد الإنجازات، بل بعدد المرات التي تعثرنا فيها ونجونا من أنفسنا، ثم عدنا إليها ونحن أكثر اكتمالاً!.
المصدر | صحيفة العودة
munaabuzaid2@gmail.com





