مقالات

صمود الأبيض… مدينة تتحدى المسيرات وتتشبث بالحياة

سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

رغم تصاعد وتيرة الهجمات بالمسيرات التي تطلقها المليشياالارهابية تواصل الأبيض تقديم نموذج استثنائي في الصمود والتماسك مؤكدة أن إرادة المدنيين أقوى من أدوات الحرب وأن الحياة مهما اشتدت قسوتها قادرة على الاستمرار حتى في أحلك الظروف

خلال الأسابيع الماضية تحولت سماء المدينة إلى مصدر دائم للقلق مع تكرار الاستهداف عبر الطائرات المسيّرة التابعة لمليشيا قوات الدعم السريع الإرهابية في محاولات واضحة لإرهاب السكان وزعزعة الاستقرار وبث الخوف في نفوس المدنيين وقد خلفت هذه الهجمات خسائر مادية ملموسة وأضرارًا نفسية عميقة لا سيما وسط الأطفال والنساء وكبار السن الذين باتوا يعيشون على وقع الترقب والخوف من المجهول

ورغم ذلك يكشف المشهد اليومي في الأبيض عن مدينة لم تنكسر فالأسواق تفتح أبوابها رغم المخاطر والمرافق الخدمية تواصل العمل بحدود الممكن فيما تتجلى الروح المجتمعية في أبهى صورها من خلال التكافل والتضامن بين الأحياء في مشهد يعكس قدرة المجتمع المحلي على الصمود في وجه الاستهداف المتكرر.

ولم تقتصر الهجمات على الأحياء السكنية والمرافق الخدمية بل امتدت لتطال مؤسسات مدنية وتعليمية كان أبرزها استهداف وتخريب جامعة كردفان إحدى أهم الصروح الأكاديمية في الإقليم فقد تعرضت الجامعة لأضرار جسيمة طالت مبانيها ومرافقها في اعتداء يمثل تصعيدًا خطيرًا واستخفافًا صارخًا بحرمة المؤسسات التعليمية ومحاولة متعمدة لضرب العقل والمعرفة ومستقبل أجيال كاملة من

الطلاب استهداف جامعة كردفان للمرة الثانية لم يكن مجرد خسارة مادية بل شكّل صدمة نفسية عميقة لأهالي المدينة الذين يرون في الجامعة رمزًا للاستقرار الاجتماعي ورافعة للتنمية والأمل وهو ما يطرح تساؤلات مؤلمة حول طبيعة هذه الحرب التي لا تكتفي بتدمير الحاضر بل تسعى لنسف المستقبل ذاته

ويؤكد مواطنو مدينة الأبيض أن المسيرات على الرغم من خطرها فشلت في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في كسر معنويات الأهالي فقد توحدت الأحياء في جهود الحماية المجتمعية وتطوع الشباب في تنظيم المبادرات الإنسانية ومساعدة الأسر المتضررة بينما لعبت القيادات الأهلية والمجتمعية دورًا محوريًا في تهدئة النفوس والحد من حالة الهلع وتعزيز الثقة بين السكان

وصمود الأبيض لا يقتصر على كونه رد فعل آني على الاعتداءات بل يعكس وعيًا جمعيًا متقدمًا يرفض تحويل المدينة إلى ساحة للفوضى والانهيار فالحفاظ على النسيج المجتمعي ظل خط الدفاع الأول في مواجهة الاستهداف الممنهج للمدنيين والبنية التحتية، وفي حماية ما تبقى من مقومات الحياة الطبيعية

وفي وقت تتطلع فيه البلاد إلى وقف شامل للحرب واستعادة مسار الدولة تظل الأبيض شاهدًا حيًا على قدرة المدن السودانية على المقاومة المدنية وعلى أن المسيرات مهما بلغت دقتها وقسوتها لا تستطيع أن تستهدف روح مدينة قررت رغم الجراح أن تبقى واقفة ومتمسكة بالحياة

فاصلة
لم يكن التصدّي للهجوم الأخير مجرد ردٍّ عسكري بل رسالة واضحة بأن أمن الوطن في أيدٍ يقِظة فقد جسّدت القوات المسلحة متمثلة في قوات الهجانة والقوات المساندة لها أعلى درجات الاستعداد والانضباط وتعاملت مع الموقف بحكمةٍ وحسمٍ يعكسان خبرة ميدانية وعقيدة راسخة قوات

الهجانة بقربها من الأرض ومعرفتها الدقيقة بمسالكها كانت في صميم المواجهة تقرأ الخطر قبل أن يقترب وتواجهه بثبات وجاءت القوات المسلحة درعًا صلبًا وسندًا حاسمًا لتؤكد أن السيادة لا تُختبر
ألا فتنتصرهذا التصدّي لم يحبط هجومًا فحسب بل بعث برسالة طمأنينة أن خلف الحدود رجالًا يعرفون واجبهم ويؤدّونه بصمتٍ واقتدار.
اللهم آمنا في أوطاننا.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى