
ليس سهلاً أن نكتب عن رجلٍ كانت الكتابة ذاتها أحد أبنائه، وكان الصوت طريقته في تهذيب المتلقي، فحين يرحل البروفيسور صلاح الدين الفاضل، لا يغيب شخصٌ فقط، بل تنطفئ غرفة تحكّم كاملة في الذاكرة السودانية؛ أزرارها كانت تضبط إيقاع الحكاية، ونبرة الأداء، ووقار الصمت بين جملتين.
رحل امس الجمعة الرجل الذي علّم الإذاعة كيف تتكلم بهدوء، وكيف تُصغي أكثر مما تقول، رحل هرمٌ إذاعيٌّ لم يكن عالياً بصوته، بل راسخاً بمعناه،خمسون عاماً وأكثر، كان فيها صلاح الدين الفاضل حارساً للجمال، ومهندساً للصوت، ومعلّماً لا يرفع عصاه، بل يرفع الذائقة.
منذ عام 1968، حين دخل الإذاعة السودانية مساعدَ مخرجٍ في قسم الدراما، كان واضحاً أنه لا يأتي ليعبر، بل ليقيم، لم يكن مخرجاً يبحث عن التصفيق، بل عن الجملة الصحيحة، والتوقف الصحيح، والسكوت الذي يسبق الدهشة، فأخرج نصف ذاكرة الإذاعة، وترك النصف الآخر يتعلّم منه.
في أعماله الدرامية، من خطوبة سهير إلى المنضرة، ومن الحراز والمطر إلى الخروج من النار، لم يكن الصوت بطلاً، بل الإنسان،كان يعرف أن المستمع ليس أذناً فقط، بل قلبٌ وعقل، ولذلك قال عبارته التي تصلح دستوراً للإعلام:«لابد أن نحترم عقل المتلقي ونقدم له ما يريد أن يسمعه»،وكان يفعل ذلك دون ضجيج، كما يفعل الكبار.
وحين انتقل إلى الإدارة، لم يتخلّ عن روحه الأولى،كان مديراً للإذاعة القومية، نعم، لكنه بقي مخرجاً في داخله،وحين ظهر على شاشة التلفزيون في التسعينيات مذيعاً ورئيساً لتحرير الأخبار، بدا كمن يمرّ ليؤدي الواجب ثم يعود إلى مكانه الطبيعي: خلف الميكروفون، حيث تُصنع المعاني لا العناوين،أما في الجامعة، فقد صار مدرسة،لا بمعنى القاعات، بل بمعنى الأثر، أجيال من الإعلاميين والمخرجين خرجوا من تحت يده وهم يحملون شيئاً من صوته الداخلي: حب المهنة، ثم الثقافة… ثم الثقافة، كما كان يردد،وكان يرفض أي عمل لا يقتنع به، لأن الإقناع عنده يبدأ من الذات قبل الجمهور.
في سنواته الأخيرة، وهو يواجه تعب الجسد وجراحات العين في القاهرة، كان المشهد مؤلماً: رجلٌ عاش عمره يمنح الناس الرؤية، تُرهقه الرؤية ذاتها، ومع ذلك، بقي اسمه واضحاً في ذاكرة المستمعين، كما لو أن العيون يمكن أن تسمع،ورحيل البروفيسور صلاح الدين الفاضل خسارة لا تُقاس بالأرقام ولا بالمناصب، إنها خسارة للهدوء، للرصانة، لذلك النوع من الإعلام الذي لا يستعجل، ولا يصرخ، ولا يبتذل، رحل رجلٌ كان يؤمن أن الإذاعة حبٌّ أولاً، فإذا أحببتها أعطتك أجمل ما فيها.
اليوم، حين نصغي إلى الراديو، سنفتقد ذلك الصوت غير المسموع، ذلك المخرج الجالس في الظل، يبتسم حين تنجح الفكرة، ويصمت حين يكتمل الجمال، نم هادئاً أيها البروفيسور فأعمالك باقية،وصوتك—وإن غاب—ما زال يعلّمنا كيف نسمع.
نم هادئاً أيها الأستاذ البروفيسور صلاح الدين الفاضل، فقد رحلت جسداً، وبقيت روحك في كل موجة إذاعية، وفي كل جملة درامية، نسأل الله أن يرحمك رحمة واسعة، ويجعل مثواك جنةً واسعة، ويثبّت ذكراك في وجدان السودان كما ثبتت في أذهان أجيالٍ لم تعرف إلا جمال عطائك، تركت لنا إرثاً من العلم والفن، وحباً للإذاعة والإنسان… فلتظل أصواتك معنا، ولتظل معلمنا في صمتك، كما كنت معلمنا في كلامك.





