
ليس رمضان المعظم شهرًا عابرًا في التقويم بل حالة إنسانية وروحية تتكرّر كل عام فتُعيد ترتيب الأولويات وتُذكّر الإنسان بما نسيه وسط صخب الحياة. في هذا الشهر تتقدّم العبادة إلى الواجهة لا بوصفها طقوسًا جامدة بل باعتبارها فعلًا يوميًا يعيد التوازن للنفس والمجتمع
يأتي الصيام كأكثر العبادات حضورًا وتأثيرًا فهو امتناع
ظاهري عن الطعام والشراب لكنه في جوهره تمرين عميق على ضبط النفس وكبح الرغبات واحترام حدود الآخر الصيام، كما يبدو، ليس اختبارًا للجسد بقدر ما هو تهذيب للسلوك ودعوة مفتوحة لمراجعة علاقتنا بأنفسنا وبالناس من حولنا
وفي رمضان تتغيّر ملامح الحياة العامة المساجد تمتلئ بالمصلّين والقرآن يستعيد مكانته في البيوت وتخفّ حدّة اللهاث اليومي أمام حضور المعنى حتى الإيقاع الاجتماعي يبدو أكثر هدوءًا وكأن المجتمع كله يدخل في حالة صيام جماعي عن الضجيج ولو جزئيًا
غير أن الأثر الأعمق لرمضان يظهر في بعده الإنساني فالتكافل لا يبقى شعارًا بل يتحوّل إلى ممارسة واضحة في موائد الإفطار والصدقات ومبادرات الخير في هذا الشهر تتقارب المسافات بين الغني والفقير وتعلو قيمة المشاركة ويشعر كثيرون لأول مرة بثقل الحاجة ومعنى العطاء.
رمضان أيضًا شهر الأسئلة الصعبة كيف نكون أكثر صدقًا؟ أكثر تسامحًا؟ أقل اندفاعًا وغضبًا؟ أسئلة يفرضها الصيام، وتُجيب عنها الممارسة اليومية لا الخطب ولا الشعارات. وهو ما يجعل هذا الشهر فرصة حقيقية للتغيير إن أحسنّا استثمارها
فاصلة
مع اقتراب نهايته كل عام يتكرّر التحدي ذاته هل تنتهي
العبادة بانتهاء رمضان؟ أم تستمر القيم التي غرسها في تفاصيل حياتنا؟ هنا يكمن جوهر الامتحان الحقيقي فنجاح رمضان لا يُقاس بعدد أيام الصيام بل بقدر ما يتركه من أثر دائم في السلوك والضمير
رمضان في النهاية ليس شهر العبادة فقط بل شهر إعادة اكتشاف الإنسان لذاته بهدوء وبلا ضجيج.
اللهم امنا في اوطاننا





