مقالات

شهادة قلم عاصر الانكسار. الحلقة الثالثة زفرات الانكسار

رمضان محجوب يكتب | انواء الروح

 لم يكن صباح السبت الخامس عشر من أبريل مجرد شروقٍ عادي خلف كاونتر “بقالة ود محجوب“، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة التي ستقتلع جذور الطمأنينة؛ كنتُ وقتها أرتب رفوف الصابون والبسكويت، أمارس طقوس “التاجر الهادي” الذي هرب من صخب السياسة وضجيجها، ولم أدرك أن الأقدار كانت تخبئ لي أسوأ فصول الرواية خلف أبواب “الصفوة” المشرعة على الجحيم.

​■ قطع خيط السكينة زبونٌ ترتعد فرائصه، اندفع نحو الداخل بملامح شاحبة يصرخ في وجهي كمن يرى القيامة: “يا أستاذ رمضان .. افتح التلفاز بسرعة.. الحرب قامت!”؛ في تلك اللحظة سقط القلم من يدي، ليعود الآن مرغماً ليدون أبشع مانشيت في تاريخ حياتي، في برهةٍ تجلى فيها الانقسام المرّ؛ حيث كانت “زوجتي” وكريمتي الصغرى ومحمد الاصغر في “مدني”، والتي ذهبوا إليها قبل يومين من اندلاع الحرب لمناسبة اجتماعية وبقيتُ أنا ونجلي البكر عبد الخالق وكريمتي الكبرى في قلب العاصفة.

 

​■ المارشات العسكرية كانت تصدح من المذياع والتلفاز، بينما تحول الشارع في الخارج إلى مسرح للهلع الجماعي؛ المواطنون يركضون بلا هدى في كل اتجاه، والعمال يعودون راجلين من الخرطوم بوجوهٍ يكسوها الغبار واليأس بعد إغلاق الكباري، وصار المشهد في “الصفوة” لوحةً سريالية من الخوف، تنبئ بأن القادم لن يشبه أي شيءٍ عرفناه من قبل.

​■ مع انتصاف النهار، بدأ “الواقع” المرعب يتجسد أمام باب بقالتي بشكلٍ مادي؛ حيث تدفقت أرتال المليشيا من معسكر “فتاشة” القريب، وانتشروا في الأزقة بأسلحتهم وتيههم كجرادٍ منتشر. كانوا غرباء قادمين من أصقاعٍ بعيدة، تائهين في جغرافيا الحي ومدججين بالرصاص الذي لا يعرف حرمة الجار، ينظرون إلينا بعيونٍ لا تقرأ لغة “التعايش” التي عشناها طويلاً.

​■ نظرتُ إلى “الميزان” أمامي، ذلك الرمز للعدل والرزق الحلال، ثم نظرتُ إليهم، فشعرت بمرارة انكسارٍ لم تذقها روحي من قبل؛ كيف يتحول حلم “الستر” في لحظةٍ واحدة إلى حصارٍ خانق بين فكي كماشة؟ لقد أصبحت البقالة التي أردتها ملاذاً آمناً لنفسي وعيالي، هي المرصد الوحيد الذي أرقب منه ضياع الوطن وتشظي الأسرة في فضاءات المجهول.

​■ لم تذق “الصفوة” طعم النوم في تلك الليلة الليلاء؛ إذ كانت “نسور الجو” تهز جدران بيوتنا الضعيفة وتصب نيرانها فوق معسكر فتاشة القريب، لتتحول العتمة إلى ومضات من لهب. ولم يكن بعيدا منا الحفل الصاخب لنسور الجو بمعسكر الكونان شمال الصفوة بعدما دخلته غدرا وغيلة المليشيا فكان حفل الاستقبال الحارق من قبل سلاح الجو.

​■ في تمام العاشرة ليلاً، وعندما كان الصمت يقطعه صوت الرصاص، اقترب خيال رجل يحمل بندقية من واجهة الدكان؛ لم يأتِ باحثاً عن خبزٍ ليعول صغاره، بل جاء يعرض عليّ “مهماته العسكرية” مقابل ثمنٍ بخس. نظرتُ إليه “، وقلت له بصرامةٍ هزت أركان المكان: “نحن لا نشتري الموت يا بني، اذهب بسلاحك بعيداً عن بيتي”.

​■ لم يحتمل “الطارق المشؤوم” فضل الرد ولا نبل النصيحة، فتبدلت ملامحه من التملق الذليل إلى الحقد الدفين، وتوعدني بكلماتٍ ارتجفت لها أوصال البقالة وسكون الليل قبل أن يقفل راجعاً في العتمة. بقيتُ وحدي مع نجلي عبد الخالق، أحاول عبثاً إخفاء ثقل الهمّ الجاثم على صدري، بينما قلبي يطير هناك نحو “مدني” حيث الشطر الآخر من روحي المشتتة.

​■ انقضت الليلة وأصوات الانفجارات تهز سريري المتهالك، بينما كنتُ أغرق في سيل من الأسئلة الوجودية القاسية: كيف سيعود شملنا في بلدٍ صار الرصاص فيه هو لغة التخاطب؟ وكيف سأحمي ما تبقى من عقدي الفريد في بيتٍ صار مكشوف الظهر للرصاص والوعيد؟ لقد كانت المواجهة قد بدأت للتو، وكان نذير الشؤم يطرق جدران وعيي بقوة.
​■ استرجعتُ شريط الذكريات وأنا أتأمل رفوف البقالة التي رتبتها بعناية؛ كل علبة بسكويت صارت الآن شاهدةً على زمنٍ كان فيه “الأمان” يملأ الرفوف، واليوم يملأ الغبار كل شيء. الحرب ليست فقط في ساحات المعارك، بل هي في تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن “دكانك” الصغير صار مسرحاً لمقايضة الحياة بالموت، وأن سلاحك الوحيد هو “كلمة حق” في وجه غريبٍ مدجج بالحقد.

​■ كان عبد الخالق يرمقني بنظراتٍ تطلب الطمأنينة التي لم أعد أملكها، وكنتُ أتظاهر بالقوة أمام ابنتي الكبرى بينما كان اليقين يتسرب من أصابعي كرمال الصحراء. كيف سأقنعهم بأن هذا البيت لا يزال آمناً، والتهديد لا يزال يتردد صداه في زوايا الغرفة؟ وكيف سأقفل أبواب البقالة غداً وأنا أعلم أن “الذئاب” تتربص بخبزنا وأمننا خلف كل زقاق؟

​■ إنها شهادة قلمٍ عاصر الانكسار في أبشع صوره؛ حينما تصبح “البقالة” التي هي رمز للحياة، مكاناً لعرض أدوات القتل. “كتمت” على الروح حينها، وشعرت أن الوطن ينسل من بين أصابعي، وأن الدار التي بنيتها بـ “الكد” باتت هدفاً مستباحاً لكل عابرٍ يحمل الموت فوق كتفه، ولا يحمل في قلبه ذرةً من رحمة لهذا الشعب الصابر.

​■ الفجر الذي بزغ بعد تلك الليلة لم يكن يحمل ضوءاً، بل كان رمادياً بلون الرصاص؛ نظرتُ إلى الطريق المؤدي إلى الشمالية” في مخيلتي وتمنيت لو أنني لم أغادرها يوماً، ولكن الأقدار ساقتني لأكون شاهداً على “الصفوة” وهي تلفظ أنفاس أمنها الأخير. السند الوحيد كان صمود أولئك الذين بقوا معي، والعمود الفقري الذي استندتُ إليه هو إيماني بأن الظلم مهما تجبر، فلا بد له من نهاية.

​■ ومع تباشير فجر اليوم الثاني، لم تكن شمس الخرطوم تحمل ضياءً، بل كانت مغبرة بدخان الحرائق وكأنها تُعلن الحداد مبكراً على “صفوتنا” المستباحة؛ هنا انتهى عهد “البضاعة والزبائن” لتبدأ حقبة “الرفقة في الوجع”، حيث لم أعد وحدي خلف الكاونتر، بل شاركني الوجوم وجوه رفاق الألم وزملاء القلم الذين قذفت بهم نيران الوسط نحو أطراف أم درمان، لنتبادل معاً نظرات الانكسار الصامتة.

​■ لاحقا.. سأروي لكم كيف تحولت “بقالة ود محجوب” في يومها الثاني إلى “غرفة أخبار” من نوعٍ خاص؛ حيث يجتمع الرفاق لا لتحرير المانشيتات، بل لتحرير أرواحهم من هول ما رأوا، وكيف تآمرت الجغرافيا والسياسة لتحول أصحاب “الحرف” إلى شهود عيان على نهب “الرصيد” المعنوي والمادي لأمةٍ كاملة، في انتظار ليلةٍ أخرى من ليالي الآنواء!!

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى