
من أروع المسرحيات التي شاهدتها على خشبة المسرح السوداني مسرحية أريد شعبًا للمخرج أبوبكر الشيخ، حيث تدور أحداثها حول ملكٍ استيقظ ذات يوم فلم يجد شعبًا يحكمه. واليوم، تقوم مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية بالدور نفسه.
منذ بداية تحركات هذه المليشيات، ظلّت تبحث عن حاضنة شعبية تمنحها الشرعية، لكنها لم تجد سوى الرفض القاطع من المواطنين. فكلما اقتربت من منطقة، خرج أهلها منها وتركوا الأرض لهم، في مشهد يلخص الموقف الشعبي الرافض ويقدّم للعالم أوضح دليل على أن هذه القوة لا تملك قاعدة اجتماعية حقيقية. وحتى في المناطق التي تسيطر عليها، يعيش المواطن مغلوبًا على أمره، ممنوعًا من الحركة والخروج، وكل من يخالف ذلك يُقتل دون محاكمة.
ادعاء المليشيا بأنها قادرة على “الانتشار في السودان” بعد دخولها الكرمك ليس سوى وهم دعائي، فالسودان بلد شاسع المساحة. وهذه المليشيا غير نظامية، تعتمد على تحركات تكتيكية قصيرة، وتنهار عند أول اختبار لوجستي أو عسكري.
لقد أثبتت التجربة ذلك بوضوح: خروجهم من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة كان سببًا رئيسيًا في هزيمتهم، لأن التمدد الزائد كشف ضعفهم وأرهق خطوط إمدادهم. فكل توسع جديد يتحول إلى عبء ثقيل، وكل منطقة يدخلونها تصبح نقطة ضعف إضافية، لا مكسبًا استراتيجيًا.
الجغرافيا السودانية نفسها تتحول إلى عدو لهذه المليشيات: أنهار، غابات، ومسافات شاسعة. يضاف إلى ذلك خبرة الجيش السوداني الطويلة في الحروب الداخلية، ومعرفته بالأرض، وامتلاكه لسلاح الجو الذي يحسم المعارك عبر الاستنزاف لا الاندفاع. وأهم الأسباب وقوف الشعب السوداني مع الجيش، حيث الأمن والأمان والاستقرار في كل المدن التي تحتضن القوات النظامية.
أما المرتزقة فلا أخلاق لهم؛ عقيدتهم قائمة على القتل والسلب والنهب وقهر الضعفاء واغتصاب الحرائر. وهم في الحروب وأمام الجيش والقوات المساندة أجبن من النعامة.
العامل الحاسم هو الرفض الشعبي. فالمليشيات تصرخ “أريد شعبًا”، لكنها لا تجد سوى عزلة متزايدة. أي قوة بلا حاضنة شعبية تتحول إلى مجرد احتلال مؤقت، سرعان ما ينهار مع أول مواجهة حقيقية أو انقطاع في الإمداد.
آخر القول
إن مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية لا تواجه فقط الجيش السوداني، بل تواجه شعبًا بأكمله يرفضها ويعرّي دعايتها. دخول الكرمك أو أي مدينة أخرى لا يعني السيطرة على السودان، بل يكشف عجزهم عن فهم طبيعة الأرض والناس. السودان لا يُجتاح بالتصريحات ولا بالتحركات المحدودة. وفي النهاية، يبقى الشعب هو السد المنيع الذي يسقط أوهامهم ويؤكد أن لا مكان لمليشيا بلا شعب.
كسرة
وَكُلُّ إِنْسَانٍ موزونٌ بِمعدنهِ
وخيرُ النَّاسِ مَنْ زانتهُ أخلاقُ
فخُلقُ الْمَرْء ميزانٌ لِجوهرهِ
طُوبَى لِمَنْ لهُ الأخْلاَقُ أرزاقُ





